عندما نرتدي قطعة ملابس جديدة نادراً ما نفكر في الرحلة الكيميائية التي مرت بها قبل أن تصل إلى خزانتنا، فخلف الألوان الزاهية والملمس الناعم تختبئ مركبات كيميائية قد تتفاعل مباشرة مع الجلد وتصل ببطء إلى الجسم لتؤثر في توازن الهرمونات ووظائف حيوية أخرى دون أن نشعر.
تعتمد صناعة النسيج الحديثة على عشرات المواد الكيميائية من الأصباغ والمثبتات إلى معالجات مقاومة التجعد والبقع. كثير من هذه المركبات لا يختفي بعد التصنيع بل يبقى عالقاً في الألياف، ومع الاحتكاك والعرق والحرارة يمكن أن تنتقل هذه المواد من القماش إلى الجلد وهو أكبر عضو في الجسم وأكثرها تفاعلاً مع البيئة.
المواد الكيميائية بالملابس تؤثر على الغدة الدرقية
من أكثر المواد المثيرة للقلق ما يُعرف بمواد اختلال الغدد الصماء مثل الفثالات ومواد PFAS المستخدمة لجعل الملابس مرنة أو مقاومة للماء. هذه المركبات قادرة على محاكاة الهرمونات الطبيعية أو تعطيل عملها ما قد يؤثر في هرمونات النمو والخصوبة و الغدة الدرقية.
والخطر لا يكمن في جرعة واحدة، بل في التعرض المتكرر واليومي عبر الملابس.
الألوان القوية ليست بريئة دائماً، فبعض الأصباغ الصناعية، خاصة أصباغ الآزو قد تتحلل إلى مركبات ترتبط بمخاطر صحية طويلة الأمد، كما تُستخدم معادن ثقيلة مثل الرصاص والكادميوم؛ لتثبيت اللون ومع أن امتصاصها عبر الجلد محدود فإن التراكم التدريجي يثير قلق الباحثين خاصة لدى الأطفال وأصحاب البشرة الحساسة.
المركبات الكيميائية الموجودة في الأصباغ
البوليستر والنايلون لا يقدمان فقط مشكلة بيئية بل صحية أيضاً. هذه الأقمشة تطلق أليافاً بلاستيكية دقيقة أثناء الغسيل والارتداء.
دراسات حديثة رصدت وجود الميكروبلاستيك في الدم وأنسجة الجسم ما يفتح باب التساؤل حول تأثيرها المحتمل على الهرمونات والالتهابات المزمنة.
في عام 2024 كشفت اختبارات السلامة في كوريا الجنوبية عن احتواء منتجات ملابس وأحذية أطفال على مستويات مرتفعة للغاية من الفثالات تجاوزت الحدود المسموح بها بمئات المرات.
وقبل ذلك، أظهرت تحقيقات أُجريت عام 2021 على منتجات الأزياء السريعة وجود مواد سامة مثل الرصاص والفثالات في نحو خُمس العينات المختبرة. هذه النتائج لم تأتِ من فراغ بل تعكس نمط إنتاج يعتمد على السرعة وخفض التكلفة على حساب السلامة.
لا تقتصر المخاطر على الكيمياء فقط، فالأقمشة الصناعية توفّر بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا التي تتغذى على العرق والدهون، ورغم أن بعض العلامات التجارية تضيف معالجات مضادة للبكتيريا، لكنها قد تُسهم على المدى الطويل في مقاومة ميكروبية أو تهيج الجلد ما يخل بتوازن الميكروبيوم الجلدي المرتبط بدوره بالصحة الهرمونية.
تعقيد سلاسل التوريد العالمية يجعل تتبع هذه المواد أمراً صعباً، قد يُزرع القطن في بلد ويُصبغ في آخر ويُخاط في ثالث، ما يطمس المسؤولية ويحد من وعي المستهلك، ومع ذلك بدأت حلول علمية وتنظيمية بالظهور من ألياف طبيعية مصبوغة بألوان نباتية إلى تشريعات أكثر صرامة تقلل استخدام المواد السامة.