بعد أكثر من أربعين عاماً دون ظهور دواء جديد لعلاج دوار الحركة جاء اعتماد دواء Nereus من قبل هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) ليعيد رسم خريطة التعامل مع هذه المشكلة الشائعة. الدواء الجديد الذي يعتمد على آلية حديثة في علم الأعصاب الدوائي يمثل نقلة نوعية في الوقاية من القيء المصاحب للحركة، وهي حالة تؤثر في ملايين الأشخاص حول العالم من المسافرين العاديين إلى العاملين في البيئات القاسية.
الغثيان أثناء السفر
دوار الحركة ليس مجرد شعور عابر بالغثيان أثناء السفر، بل حالة فسيولوجية معقدة تنتج عن تعارض الإشارات القادمة من العين والجهاز الدهليزي والمستقبلات الحسية في الجسم. هذا التعارض يؤدي إلى تنشيط مسارات عصبية مسؤولة عن الغثيان والقيء ما يجعل بعض الأفراد أكثر عرضة لأعراض شديدة ومتكررة.
وتشير التقديرات إلى أن نحو ربع إلى ثلث البالغين يعانون من أعراض دوار الحركة بدرجات متفاوتة، بينما يواجه ما بين 5 و15% أعراضاً حادة قد تدفعهم لتجنب السفر أو الأنشطة المرتبطة بالحركة تماماً.
الإصابة دوار الحركة أثناء ركوب المواصلات
تاريخياً، اكتسب دوار الحركة أهمية خاصة خلال العمليات العسكرية، حيث سُجل تأثيره السلبي على كفاءة الجنود منذ الحرب العالمية الثانية، فقد تسببت حالات القيء الشديد آنذاك في إضعاف الجاهزية القتالية خلال عمليات إنزال بحرية وجوية حاسمة، هذا البعد التاريخي دفع إلى أبحاث مبكرة حول مضادات القيء إلا أن التقدم الدوائي ظل محدودًا لعقود طويلة.
يعمل Nereus، الذي يحتوي على المادة الفعالة tradipitant، كمضاد انتقائي لمستقبلات NK-1 العصبية، هذه المستقبلات تنشط بفعل مادة تُعرف باسم Substance P وهي عنصر رئيسي في تحفيز القيء داخل الجهاز العصبي المركزي.
من خلال تعطيل هذا المسار تحديداً يهاجم الدواء السبب العصبي المباشر للأعراض بدل الاكتفاء بتخفيفها وهو ما يميّزه عن العلاجات التقليدية.
ضمن مسار التطوير أُجريت عدة دراسات سريرية محورية على أشخاص لديهم تاريخ موثق مع دوار الحركة شملت تجارب ميدانية في ظروف واقعية مثل الرحلات البحرية.
أظهرت النتائج انخفاضاً ملحوظاً في معدلات القيء لدى مستخدمي الدواء مقارنةً بالدواء الوهمي مع تسجيل تراجع في المخاطر تجاوز 50% في بعض الحالات. اللافت أن هذه الفعالية ترافقت مع ملف أمان جيد يتماشى مع الاستخدام الحاد ما عزز الثقة في جدوى الدواء للاستخدام العملي.
لا يقتصر الاهتمام بـ Nereus على دوار الحركة فقط، إذ يفتح نجاحه الباب أمام توسيع استخدام مضادات NK-1 في حالات أخرى مرتبطة بالغثيان والقيء، وتشمل مجالات البحث المستقبلية اضطرابات مثل خزل المعدة وكذلك الغثيان الناتج عن بعض أدوية السكري والسمنة الحديثة ما قد ينعكس على تحسين التزام المرضى بالعلاج.
مع الاستعداد لطرح الدواء في الأسواق خلال الفترة المقبلة يترقب المرضى وخبراء الرعاية الصحية خياراً جديداً قد يغيّر تجربة السفر والأنشطة اليومية لملايين الأشخاص ويعيد تعريف الوقاية من القيء المرتبط بالحركة بأسلوب علمي معاصر.