يطرح سؤال توارث النرجسية نفسه بقوة في ظل تزايد الاهتمام بالصحة النفسية واضطرابات الشخصية. فالنرجسية لم تعد تُفهم فقط كسلوك متعجرف أو حب مفرط للذات، بل كطيف من السمات التي قد تصل في بعض الحالات إلى اضطراب الشخصية النرجسية. هذا الاضطراب يتميز بالشعور بالعظمة، والحاجة المفرطة للإعجاب، وضعف التعاطف مع الآخرين، لكن هل هذه السمات تُولد مع الإنسان أم تُكتسب عبر التجارب الحياتية؟
هل يمكن توارث النرجسية
استعداد لا حتمية تشير الأبحاث النفسية إلى أن للنرجسية مكوناً وراثياً لا يمكن تجاهله؛ فبعض السمات المرتبطة بها، مثل الإحساس بالاستحقاق أو المبالغة في تقدير الذات، قد تكون مرتبطة بتركيبة جينية معينة. وجود هذا الاستعداد الوراثي لا يعني بالضرورة أن الشخص سيُصاب باضطراب الشخصية النرجسية، بل قد يزيد فقط من احتمالية ظهور هذه السمات في حال توافرت ظروف بيئية معينة.
وتوضح دراسة نُشرت عام 2021 ونقلها موقع "Healthline" أن الجينات قد تفسر جزءاً من الفروق الفردية في السمات النرجسية، لكنها ليست العامل الحاسم الوحيد؛ ما يؤكد أن الوراثة تهيئ الأرضية فقط ولا تكتب النتيجة النهائية.
علاقة البيئة المحيطة بالنرجسية
إلى جانب الجينات، تلعب البيئة دوراً محورياً في تشكيل الشخصية، خاصة خلال الطفولة. فالسنوات الأولى من الحياة تُعد مرحلة حساسة لتكوين صورة الذات وطريقة التفاعل مع الآخرين، وتشير الأدلة إلى أن أنماط التربية والخبرات المبكرة قد تدفع الطفل إلى تبني سلوكيات نرجسية كآلية للتكيف.
الحب المشروط وسحب القبول
عندما ينشأ الطفل في بيئة يُمنح فيها الحب بشكل مشروط -أي مقابل التفوق أو الطاعة- قد يتعلم ربط قيمته الذاتية بإنجازاته فقط. هذا النمط قد يدفعه لاحقاً إلى السعي المستمر للإعجاب الخارجي، وتبني الكمال الزائد أو الشعور بالتفوق كوسيلة للحفاظ على قبوله الاجتماعي.
القسوة والنقد المفرط
التربية القائمة على النقد الدائم أو القسوة قد تُجبر الطفل على المبالغة في إثبات ذاته. في محاولة لنيل رضا الوالدين، قد يطور سلوكيات تعويضية مثل العظمة أو التقليل من شأن الآخرين، وهي سمات ترتبط بالنرجسية في مراحل لاحقة.
الحماية الزائدة والإفراط في المديح
لى النقيض، فإن الحماية الزائدة أو الثناء المبالغ فيه قد يخلقان صورة ذاتية غير واقعية. الطفل الذي يُقنع دائماً بأنه مميز بلا حدود قد ينشأ وهو يتوقع معاملة تفضيلية؛ ما يعزز الإحساس بالاستحقاق وضعف القدرة على تقبل النقد.
الصدمات والإهمال المبكر
التعرض لصدمات نفسية أو إهمال في الطفولة قد يدفع الفرد إلى البحث عن السيطرة كوسيلة للأمان. في هذه الحالات، قد تتحول النرجسية إلى "درع نفسي" يخفي شعوراً عميقاً بانخفاض القيمة الذاتية أو ضعف التعاطف.
متى نطلب المساعدة؟
إدراك وجود سمات نرجسية لا يعني بالضرورة وجود اضطراب، لكنه قد يكون إشارة لضرورة التوقف والتأمل. المتخصصون في الصحة النفسية يمكنهم المساعدة في فهم الجذور الوراثية والبيئية لهذه السمات، والعمل على تطوير طرق أكثر توازناً للتفكير والتفاعل.