مع التقدم في العمر يصبح من الصعب التنبؤ بمن سيحافظ على صحته لسنوات مقبلة ومن قد يواجه تدهوراً صحياً مفاجئاً. الأطباء يعتمدون عادةً على العمر ونمط الحياة و الأمراض المزمنة لتقدير المخاطر، لكن هذه المؤشرات لا تقدم دائماً صورة دقيقة على المدى القصير، فيما تقترح دراسة حديثة أن الإجابة قد تكون كامنة بالفعل في مجرى الدم عبر جزيئات صغيرة لم تحظَ باهتمام واسع سابقاً.
في بحث قادته مؤسسة (Duke Health) بالتعاون مع جامعة منيسوتا الأمريكية، اكتشف العلماء أن جزيئات RNA الصغيرة تُعرف باسم piRNAs يمكنها التنبؤ بدقة بما إذا كان كبار السن سيبقون على قيد الحياة لمدة عامين على الأقل.
ونُشرت النتائج في مجلة "Aging Cell" عام 2024، حيث أظهرت أن مجموعة محدودة من هذه الجزيئات تفوقت في قدرتها التنبؤية على عوامل تقليدية، مثل العمر و الكوليسترول ومستوى النشاط البدني.
التنبؤ بالمخاطر الصحية لكبار السن
قام الفريق البحثي بقياس مستويات piRNAs في عينات دم لأشخاص تبلغ أعمارهم 71 عاماً فأكثر، وشملت الدراسة أكثر من 1,200 عينة دم جرى تحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والنمذجة الإحصائية المتقدمة.
تمت مقارنة 187 عاملاً سريرياً و828 نوعاً مختلفاً من جزيئات RNA. والنتيجة اللافتة: 6 أنواع فقط من (piRNAs) تمكنت من التنبؤ بالبقاء لمدة عامين بدقةٍ وصلت إلى 86%، كما تم تأكيد النتائج في مجموعة مستقلة ثانية من كبار السن.
المفاجأة أن الأشخاص الذين عاشوا لفترة أطول كانت لديهم مستويات أقل من أنواع معينة من (piRNAs)، ويشبه هذا النمط ما لوحظ في كائنات حية بسيطة حيث ارتبط تقليل هذه الجزيئات بإطالة العمر.
تشير النتائج إلى أن ارتفاع بعض (piRNAs) قد يكون علامة على وجود خلل داخلي في الجسم، بينما قد تعكس المستويات المنخفضة توازناً بيولوجياً أفضل. ورغم أن دورها في الدم لا يزال قيد البحث، فإنها معروفة بتأثيرها في تنظيم النمو وتجدد الخلايا ووظائف الجهاز المناع
أهمية النشاط البدني لكبار السن
عند مقارنة (piRNAs) بعوامل الخطر الشائعة، تبين أنها كانت الأقوى في التنبؤ بالبقاء على المدى القصير، فقد تفوقت على العمر ومستويات الدهون والنشاط البدني وأكثر من 180 مؤشر سريري آخر، أما على المدى الطويل فظل نمط الحياة مؤثر بقوة لكن (piRNAs) استمرت في تقديم معلومات قيمة عن العمليات البيولوجية الكامنة التي لا تكشفها الفحوصات الروتينية.
يرى الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في دراسة ما إذا كانت العلاجات أو التغييرات في نمط الحياة، بل وحتى بعض الأدوية الحديثة قادرة على تعديل مستويات (piRNAs)، كما يخطط الفريق لمقارنة مستويات هذه الجزيئات في الدم مع مستوياتها داخل الأنسجة لفهم آليات عملها بشكل أعمق.
إذا أثبتت الأبحاث المستقبلية هذه النتائج فقد يصبح من الممكن تطوير اختبار دم بسيط وقليل التدخل يساعد الأطباء على تحديد مخاطر التدهور الصحي قصير المدى لدى كبار السن؛ ما يتيح تدخلات مبكرة تهدف إلى تعزيز الشيخوخة الصحية وتحسين جودة الحياة في السنوات المتقدمة.