يمثل حمل النساء المصابات بالصرع تحدي طبي معقد إذ تتغير طريقة تعامل الجسم مع الأدوية بشكل ملحوظ ما قد يؤثر في فعالية العلاج والسيطرة على النوبات، فالتغيرات الفسيولوجية خلال الحمل وبعد الولادة تؤدي إلى تحولات في امتصاص الأدوية وتوزيعها واستقلابها وهو ما يفرض على الأطباء متابعة دقيقة لجرعات أدوية الصرع لتجنب مضاعفات قد تمس الأم والجنين معاً.
تعديل جرعة أدوية الصرع بعد الولادة
أدوية الصرع أو ما يُعرف بمضادات التشنج تتأثر بشكل كبير بالحمل حيث تنخفض مستويات بعضها في الدم مع تقدم الأسابيع ما يزيد احتمالات عودة النوبات إذا لم تُعدّل الجرعات، وفي المقابل قد يؤدي استمرار الجرعات المرتفعة بعد الولادة إلى آثار جانبية غير مرغوبة، لذلك يصبح التوازن بين السيطرة على النوبات والحفاظ على سلامة الأم والطفل أولوية قصوى.
الإصابة بالصرع
رغم أهمية الموضوع لا تزال الأدبيات الطبية محدودة فيما يتعلق بكيفية تعديل جرعات أدوية الصرع أثناء الحمل وبعد الولادة، هذا النقص في الإرشادات العملية يدفع العديد من الأطباء للاعتماد على الخبرة السريرية والمتابعة الفردية ما قد يؤدي إلى تباين في أساليب العلاج من حالة لأخرى.
نشرت مجلة Neurology مؤخراً نتائج تحليل دراسة MONEAD (Maternal Outcomes and Neurodevelopmental Effects of Antiepileptic Drugs) وهي دراسة رصدية أُجريت عبر 20 مركزاً أميركياً على نساء مصابات بالصرع خلال فترة الحمل وحتى ما بعد الولادة.
أظهرت النتائج أن مستويات تركيز العديد من أدوية منع النوبات في الدم تنخفض بشكل كبير أثناء الحمل مقارنة بما بعد الولادة، ومن أبرز هذه التغيرات: انخفاض يصل إلى 56.1% في تركيز لاموتريجين و36.8% في تركيز ليفيتيراسيتام إضافة إلى انخفاضات واضحة في أدوية أخرى مثل أوكسكاربازيبين وlacosamide وzonisamide، هذه التغيرات تعني أن الجرعات التي كانت كافية قبل الحمل قد تصبح غير كافية خلال الحمل مما قد يزيد من احتمالات عودة النوبات إذا لم تُعدَّ الجرعة بالشكل المناسب.
وتخلص الدراسة إلى أن مراقبة مستويات الدواء في الدم (therapeutic drug monitoring) يجب أن تبدأ مبكراً مع الحمل وأن يزيد الأطباء من جرعات بعض الأدوية تدريجياً مع تقدم الحمل لضمان بقاء تركيز الدواء ضمن نطاق فعّال مع مراجعة الجرعة بعد الولادة لتفادي التعرض المفرط للأدوية.
تُظهر هذه المعطيات أن الحفاظ على السيطرة الجيدة على نوبات الصرع خلال الحمل غالباً ما يتطلب تدخل نشط في تعديل الجرعات وليس الاكتفاء بالجرعات التقليدية، كما تؤكد أهمية التخفيض المبكر بعد الولادة لتجنب التعرض المفرط للأدوية.
تقدم هذه النتائج نموذج عملي يمكن أن يسترشد به الأطباء في متابعة الحوامل المصابات بالصرع مع التأكيد على أن كل حالة تظل بحاجة إلى تقييم فردي مستمر خاصة في ظل اختلاف الاستجابة الدوائية بين النساء.