هل يعيد "ضبط إيقاع الدماغ" علاج الاضطرابات العقلية؟

يعمل الدماغ البشري بلا توقف مستقبِلاً سيلاً من الإشارات التي تختلف جذرياً في توقيتها، فبينما تتطلب بعض المعلومات استجابات فورية للتغيرات المفاجئة في البيئة تحتاج معلومات أخرى إلى وقت أطول لفهم المعنى والسياق والنية. هذا التباين في السرعة ليس خللاً بل جزء أساسي من طريقة عمل العقل البشري وقدرته على التفكير والتصرف بمرونة. 

شبكات عصبية متعددة الإيقاع

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الدماغ لا يعمل على "سرعة واحدة"، بل يعتمد على مجموعة من الإيقاعات الداخلية المتداخلة، فكل منطقة دماغية تعالج المعلومات ضمن نافذة زمنية خاصة بها، وهو ما يُعرف بـ "Intrinsic Neural Timescales". هذه النوافذ الزمنية تحدد المدة التي تحتفظ فيها الخلايا العصبية بالمعلومة قبل الانتقال إلى التالية، ما يسمح بدمج الإشارات السريعة والبطيئة في آن واحد.

دور النوم في غسل الدماغ من السمومالشبكات العصبية بالدماغ

دور المادة البيضاء في تنسيق السرعات

تلعب شبكات المادة البيضاء دوراً محورياً في هذا التنسيق، إذ تمثل البنية التحتية التي تنقل الإشارات بين مناطق الدماغ المختلفة، ومن خلال هذه "الأسلاك" العصبية يتم تبادل المعلومات بين مناطق تعمل بسرعات متفاوتة، ما يدعم عمليات التفكير واتخاذ القرار والسلوك اليومي، ويُعد هذا التكامل الزمني شرطاً أساسياً لقدرة الدماغ على التأثير في البيئة المحيطة عبر الفعل.

كيف دُرست هذه الآلية؟

ضمن هذا السياق، تناولت دراسة حديثة نُشرت في مجلة "Nature Communications" عام 2024 هذه الظاهرة من زاوية جديدة، اعتمد الباحثون على بيانات تصوير دماغي لنحو 960 شخصاً لبناء خرائط تفصيلية لشبكات الاتصال العصبي لدى كل فرد تُعرف باسم "الكونيكتوم"، ثم استخدموا نماذج رياضية تشرح كيف تتطور الأنظمة المعقدة عبر الزمن لتتبع حركة المعلومات داخل هذه الشبكات.

اختلاف التوقيت يفسر اختلاف القدرات

أظهرت نتائج الدراسة أن طريقة توزيع السرعات الزمنية عبر قشرة الدماغ تلعب دوراً أساسياً في كفاءة انتقال الدماغ بين أنماط النشاط المرتبطة بالسلوك، ولم يكن هذا التنظيم الزمني متطابقاً لدى الجميع، إذ وُجد أن الفروق الفردية في تنسيق الإشارات السريعة والبطيئة تسهم في تفسير اختلاف القدرات المعرفية بين الأشخاص مثل المرونة الذهنية وسرعة التعلم.

إصابات الدماغ قد تكون وراء السلوك الإجراميمعالجة الدماغ للمعلومات 

جذور بيولوجية عميقة

لم تتوقف النتائج عند هذا الحد، بل كشفت الدراسة عن ارتباط أنماط التوقيت العصبي بخصائص جينية وجزيئية وخلوية في أنسجة الدماغ، كما لوحظت علاقات مشابهة في أدمغة الفئران، ما يشير إلى أن هذه الآليات محفوظة عبر الأنواع الحية وليست حكراً على الإنسان.

آفاق لفهم الاضطرابات النفسية

تفتح هذه النتائج آفاقاً جديدة في أبحاث الصحة النفسية، إذ بدأ الباحثون بتطبيق المنهج نفسه لدراسة اضطرابات مثل الفصام و الاضطراب ثنائي القطب والاكتئاب. ويأمل العلماء أن يساعد فهم اختلال التنسيق الزمني في شبكات الدماغ على تفسير بعض الأعراض المعرفية والسلوكية المصاحبة لهذه الحالات.