يُعد انقطاع الطمث مرحلة طبيعية في حياة المرأة، لكنه قد يحمل دلالات صحية مختلفة بحسب توقيته، فعندما يحدث هذا التحول قبل سن الأربعين لا يكون مجرد تغيير هرموني عابر، بل قد يكون مؤشراً مبكراً على مخاطر صحية طويلة الأمد، خاصة فيما يتعلق بالقلب؛ إذ تشير الأدلة الحديثة إلى أن توقيت انقطاع الطمث يلعب دوراً مهماً في تحديد احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين التاجية لاحقاً.
علاقة انقطاع الطمث المبكر بأمراض القلب لدى النساء
في دراسة واسعة نُشرت عام 2024 في مجلة (JAMA Cardiology) قام باحثون من جامعة Northwestern Medicine بتحليل بيانات أكثر من 10 آلاف امرأة في الولايات المتحدة تمت متابعتهن على مدى عقود امتدت بين عامي 1964 و2018، وقد شملت البيانات مشاركات من دراسات طويلة الأمد.
أظهرت النتائج أن النساء اللاتي دخلن سن اليأس قبل سن الأربعين كن أكثر عرضة للإصابة بمرض القلب التاجي بنسبة تقارب 40%، مقارنة بمن حدث لديهن انقطاع الطمث في سن لاحق، كما سجل الباحثون أكثر من ألف حالة إصابة بأحداث قلبية منها نوبات قلبية قاتلة وغير قاتلة.
ومن الملاحظات المهمة التي كشفتها الدراسة أن انقطاع الطمث المبكر كان أكثر شيوعاً بين النساء ذوات البشرة السمراء، مقارنة بالنساء ذوات البشرة البيضاء، حيث بلغت النسبة 15.5% مقابل 4.8%.
ويرجح الباحثون أن هذا التفاوت لا يعود فقط لعوامل بيولوجية، بل يعكس أيضاً تأثيرات معقدة تشمل الظروف الاجتماعية والاقتصادية وأنماط الحياة والتعرض المزمن للضغوط.
يحدث مرض الشريان التاجي نتيجة تراكم الدهون داخل جدران الشرايين؛ مما يقلل تدفق الدم إلى القلب. وحتى بعد استبعاد عوامل الخطر التقليدية مثل التدخين والسمنة والسكري، ظل انقطاع الطمث المبكر مرتبطاً بزيادة خطر الإصابة بنسبة تصل لـ 41%.
ويرتبط هذا الانقطاع بانخفاض مستويات هرمون "الإستروجين" الذي يلعب دوراً مهماً في حماية الأوعية الدموية. ومع تراجعه، يرتفع الكوليسترول وضغط الدم، وتزداد دهون البطن؛ مما يسرع من تصلب الشرايين.
يعرف الأطباء انقطاع الطمث بأنه مرور عام كامل دون حدوث الدورة الشهرية، ويبلغ متوسط عمر حدوثه نحو 51 عاماً، بينما يُعد الانقطاع بين 40 و45 عاماً مبكراً وقبل 40 عاماً مبكراً جداً، ورغم أهمية هذه المرحلة فإن أسباب حدوثها المبكر لا تزال غير مفهومة بشكل كامل، وتشير التقديرات إلى أنها قد تكون نتيجة تداخل عدة عوامل، منها الوراثة والعوامل البيئية والسلوكيات الصحية مثل التدخين، إضافة إلى السمنة والضغوط النفسية المزمنة وكذلك بدء الدورة الشهرية في سن مبكرة.
مرض الشريان التاجي
يرتبط انقطاع الطمث بانخفاض مستويات هرمون الإستروجين، وهو هرمون يلعب دوراً مهماً في حماية القلب والأوعية الدموية، ومع تراجعه تحدث سلسلة من التغيرات، تشمل ارتفاع مستويات الكوليسترول وضغط الدم وزيادة تراكم الدهون في منطقة البطن وتراجع الكتلة العضلية واضطراب مستويات السكر في الدم إضافة إلى تصلب الشرايين.
هذه التغيرات مجتمعة قد ترفع خطر الإصابة بأمراض القلب خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً حتى لدى النساء اللاتي يصلن إلى سن اليأس في العمر الطبيعي فما بالك بمن يحدث لديهن مبكراً.
تسلط هذه النتائج الضوء على أهمية اعتبار انقطاع الطمث المبكر علامة تحذيرية تستدعي الانتباه المبكر لصحة القلب؛ إذ يُنصح النساء اللاتي يمررن بهذه التجربة بأن يكنّ أكثر حرصاً في متابعة عوامل الخطر القلبية مثل ضغط الدم و مستويات الكوليسترول ونمط الحياة.
كما تشير الدراسة إلى ضرورة أن يولي الأطباء اهتمام أكبر بتاريخ انقطاع الطمث عند تقييم المخاطر القلبية إذ لا يزال هذا الجانب مهمش نسبياً في الممارسة الطبية رغم تأثيره الواسع على مختلف أجهزة الجسم.