يمثل اضطراب استخدام المواد الأفيونية أحد أكثر التحديات الصحية تعقيداً في العصر الحديث إذ يرتبط بمعدلات مرتفعة من الوفيات والمضاعفات الصحية والاجتماعية، وعلى مدار السنوات الماضية أثبتت أدوية علاج اضطراب استخدام الأفيونات دور محوري في تقليل الوفيات وتحسين فرص التعافي إلا أن سؤال "كم يجب أن يستمر العلاج؟" ظل مطروحاً بقوة في الأوساط الطبية.
يلجأ بعض المرضى إلى إيقاف العلاج الدوائي مبكراً إما بدافع الشعور بالتحسن أو بسبب وصمة اجتماعية أو مخاوف من الاعتماد طويل الأمد على الدواء، في المقابل يشدد مختصون على أن الاستمرار في العلاج قد يكون عامل حاسم في تقليل خطر الانتكاس والوفاة خاصة في السنوات الأولى بعد التشخيص.
علاج اضطراب استخدام المواد الأفيونية
في هذا السياق، أظهرت بيانات حديثة أن الفوائد المرتبطة بالاستمرار في أدوية علاج اضطراب استخدام الأفيونات لا تقتصر على الأشهر الأولى بل تمتد لعدة سنوات، وتشير هذه النتائج إلى أن مدة العلاج ليست مجرد تفصيل ثانوي بل عنصر أساسي في تحسين فرص البقاء على قيد الحياة.
أدوية المواد الأفيونية
ضمن هذا الإطار، نُشرت دراسة عام 2026 في مجلة Addiction حللت العلاقة بين مدة الاستمرار في العلاج الدوائي للأفيونات ومعدلات الوفاة لأي سبب، اعتمد الباحثون على بيانات السجلات الصحية الإلكترونية التابعة لنظام رعاية المحاربين القدامى في الولايات المتحدة، وشملت العينة أكثر من 32 ألف مريض بدأوا العلاج بأحد الأدوية المعتمدة مثل بوبرينورفين أو ميثادون أو نالتريكسون ممتد المفعول.
قاس الباحثون مدة العلاج بالأيام واعتبروا التوقف عن العلاج عند وجود فجوة تتجاوز 28 يومًا دون تغطية دوائية، وقد أتاح هذا التصميم تتبع المرضى على مدى سنوات وتحليل التغير في مخاطر الوفاة مع كل فترة زمنية إضافية من الاستمرار في العلاج.
أظهرت النتائج أن أكبر تحسن في احتمالات البقاء على قيد الحياة خلال ست سنوات تحقق عند الانتقال من الاستمرار في العلاج لمدة ستة أشهر إلى عامين، ومع ذلك لم تتوقف الفوائد عند هذا الحد فقد استمرت المكاسب الإحصائية المهمة في تقليل خطر الوفاة حتى نحو أربع إلى خمس سنوات من الاستمرار في العلاج.
وبعد هذه المدة لم يُلاحظ تحسن إضافي ذي دلالة إحصائية عند إضافة سنة أخرى من العلاج ما يشير إلى أن الفائدة القصوى تتحقق خلال السنوات الأولى والمتوسطة من الالتزام الدوائي طويل الأمد.
تعكس هذه المعطيات أهمية النقاش الفردي بين المريض ومقدم الرعاية الصحية حول مدة العلاج المثلى، فبينما قد يرى بعض المرضى أن الاستمرار لسنوات عدة عبء نفسي أو اجتماعي تُظهر الأرقام أن هذه السنوات تحمل قيمة حقيقية من حيث تقليل خطر الوفاة وتحسين فرص النجاة.
كما تساعد النتائج الأطباء على تقديم معلومات مبنية على أدلة واضحة عند مناقشة خطط العلاج بدل الاعتماد على تقديرات عامة أو توصيات غير محددة المدة.
يرى الباحثون أن قيمة هذه النتائج لا تكمن فقط في الأرقام بل في قدرتها على دعم قرارات علاجية مرنة تراعي القيم الشخصية للمريض إلى جانب الفائدة الصحية المتوقعة، فاختيار مدة العلاج يجب أن يوازن بين الاستفادة القصوى من خفض الوفيات وبين ظروف المريض وتفضيلاته وقدرته على الاستمرار.