خلال الحمل لا يقتصر التواصل بين الأم وجنينها على تبادل الغذاء والأكسجين فقط، بل يحدث أيضاً انتقال فعلي للخلايا عبر المشيمة. هذا الاكتشاف غيّر فهم العلماء للعلاقة البيولوجية بين الأم والجنين، وكشف عن ظاهرة مدهشة تُعرف باسم "الاختلاط الخلوي الجنيني Fetal Microchimerism".
المشيمة ليست حاجزاً صامتاً، بل بوابة نشطة تسمح بمرور الماء والأملاح والهرمونات والأجسام المضادة من الأم إلى الجنين، إلى جانب ذلك أثبتت الأبحاث وجود انتقال ثنائي الاتجاه للخلايا والمادة الوراثية بين الطرفين وهو ما يميّز الثدييات ذات المشيمة عن غيرها بحسب "National library of medicine".
المشيمة بوابة نشطة بين الأم والجنين
الاختلاط الخلوي يعني وجود عدد صغير من الخلايا داخل جسم الإنسان، تعود في أصلها إلى فرد آخر مختلف وراثياً، أثناء الحمل يمكن أن تنتقل خلايا الجنين إلى جسم الأم وتستقر فيه لتُعرف هذه الحالة بـ"الاختلاط الخلوي الجنيني"، في حين يُطلق على انتقال خلايا الأم إلى الجنين اسم الاختلاط الخلوي الأمومي.
أظهرت الدراسات أن انتقال الخلايا الجنينية يبدأ مبكراً بين الأسبوع الرابع والسادس من الحمل لدى البشر، ويزداد تدريجياً حتى يبلغ ذروته قرب الولادة. وعلى الرغم من اختفاء معظم هذه الخلايا من دم الأم بعد أسابيع من الولادة، فإن نسبة صغيرة منها تستطيع الاستقرار داخل الأنسجة والبقاء لسنوات طويلة بل لعقود.
تم رصد خلايا جنينية داخل أعضاء متعددة في جسم الأم، منها القلب والكبد والكلى والرئتان والدماغ والجلد، والغدة الدرقية والثدي والطحال. اللافت أن هذه الخلايا لا تبقى خاملة بل تمتلك قدرة عالية على التمايز فتتحول إلى خلايا عصبية أو عضلية أو مناعية وتندمج وظيفياً داخل الأنسجة الأمومية.
الاختلاط الخلوي بين الجنين والأم
في بعض النماذج الحيوانية، لوحظ تجمع الخلايا الجنينية في مناطق الإصابة مثل القلب بعد الجلطة أو الدماغ بعد التلف العصبي، وتشير النتائج إلى احتمال مساهمتها في ترميم الأنسجة وتحفيز تكوّن الأوعية الدموية ودعم عمليات الشفاء.
رغم هذا الدور الإيجابي المحتمل، ارتبط وجود الخلايا الجنينية أحياناً بأمراض مناعية ذاتية مثل تصلب الجلد والتهاب الغدة الدرقية، حيث يُعتقد أنها قد تحفّز استجابات مناعية غير طبيعية، كما وُجدت هذه الخلايا داخل بعض الأورام السرطانية ما فتح باب الجدل حول ما إذا كانت تحارب الورم أم تسهم في تطوره.
من زاوية تطورية يرى بعض الباحثين أن بقاء خلايا الجنين داخل جسم الأم يمثل شكلاً من أشكال التعاون البيولوجي؛ لضمان بقاء الجنين وتحسين صحة الأم، بينما يرى آخرون أنه قد يعكس تضارب مصالح بيولوجي، حيث تؤثر هذه الخلايا في فسيولوجيا الأم بعد الولادة بما يخدم مصلحة النسل.