مع تزايد الاهتمام بالببتيدات الاصطناعية باعتبارها وسيلة محتملة لتحسين الصحة العامة وبناء العضلات وتسريع التعافي البدني وتحسين النوم والقدرات الذهنية، يتجه المزيد من الرجال إلى البحث عن هذه المركبات واستخدامها، أملاً في الاستفادة من فوائدها المروج لها في مكافحة الشيخوخة وتحسين الأداء الرياضي والوظائف الحيوية.
لكن رغم انتشار استخدامها والترويج لفوائدها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لا تزال الأدلة العلمية المتعلقة بسلامة وفعالية العديد من هذه الببتيدات محدودة خاصة أن عدد كبير منها لم يخضع لتجارب سريرية كافية على البشر، ما يثير تساؤلات بشأن فوائدها الحقيقية والمخاطر المحتملة لاستخدامها دون إشراف طبي، وذلك حسب ما ذكره موقع Men's Health.
الببتيدات عبارة عن سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية وهي الوحدات الأساسية التي تتكون منها البروتينات وتوجد بصورة طبيعية داخل الجسم، حيث تؤدي أدوار متعددة تشمل نقل الإشارات بين الخلايا وتنظيم إفراز الهرمونات والمساهمة في التحكم بالالتهابات والعديد من العمليات الحيوية.
الببتيدات تحسن الأداء الرياضي للرجال
أما الببتيدات الاصطناعية، فتصنع معملياً لمحاكاة بعض وظائف الببتيدات الطبيعية أو تحفيز استجابات بيولوجية معينة وتستخدم بعض أنواعها في صورة حقن أو بخاخات أنفية.
ومع تزايد الإقبال عليها تعمل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على مراجعة تصنيف عدد من هذه المركبات، لتحديد إمكانية السماح للصيدليات المتخصصة بتركيب بعضها في ظل استمرار المخاوف المتعلقة بجودة المنتجات وسلامتها ونقص الأدلة السريرية.
من بين المركبات التي تحظى باهتمام الرجال ببتيد AOD-9604 الذي يروج له باعتباره وسيلة للمساعدة على تكسير الدهون المخزنة وتحسين التمثيل الغذائي دون التأثير في مستويات السكر بالدم أو التسبب في مقاومة الأنسولين.
لكن النتائج العلمية لا تزال متباينة، فبينما أظهرت تجارب مبكرة نتائج إيجابية محدودة لم تنجح تجربة سريرية من المرحلة الثانية شملت 536 شخصاً في إثبات انخفاض ملحوظ في الوزن بعد استخدامه لمدة 24 أسبوعاً، ما أدى إلى إيقاف تطويره السريري.
ويبرز أيضاً ببتيد MOTS-C المرتبط بوظائف الميتوكوندريا وهي الأجزاء المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلايا ويروج له لتحسين القدرة على التحمل والأداء البدني ومقاومة مقاومة الأنسولين.
وأظهرت تجارب على الحيوانات تحسن في الأداء البدني وبعض المؤشرات الأيضية لكن لا تزال البيانات السريرية البشرية غير كافية لإثبات فعاليته وسلامته.
تعد الببتيدات المرتبطة بإصلاح الأنسجة والتعافي العضلي من أكثر الأنواع التي تجذب اهتمام الرجال ومن أبرزها BPC-157 وTB-500 اللذان يعرفان معاً باسم "مجموعة ولفيرين".
ويروج لببتيد BPC-157 باعتباره مركب قد يساعد على إصلاح الأنسجة وتقليل الالتهابات وتسريع التعافي من الإصابات بينما يستخدم TB-500 بهدف تحسين التئام العضلات والأنسجة وتعزيز مرونتها.
وأظهرت أبحاث أجريت على الحيوانات نتائج واعدة بشأن تأثير هذه المركبات في التئام الأنسجة لكن الأدلة البشرية لا تزال محدودة للغاية.
فقد رصدت مراجعة علمية نشرت عام 2025 نحو 36 دراسة تناولت BPC-157 كانت 35 منها على الحيوانات مقابل دراسة واحدة فقط على البشر.
كما لا تتوفر أدلة سريرية كافية تثبت أن TB-500 يعزز إصلاح العضلات أو يحسن الأداء الرياضي لدى الإنسان.
وتبرز مخاوف إضافية بشأن ثيموسين بيتا-4 المرتبط بـTB-500، إذ تشير بعض الأبحاث إلى احتمالية مساهمته في تكوين أوعية دموية جديدة داخل الأورام وهو ما يستدعي مزيد من البحث لتحديد المخاطر المحتملة.
لا تقتصر الاستخدامات المروج لها للببتيدات على الصحة البدنية بل تمتد إلى تحسين وظائف الدماغ والذاكرة والتركيز وتقليل القلق.
ومن أبرز هذه المركبات سيماكس الذي يستخدم غالباً في صورة بخاخ أنفي ويعتقد أنه قد يؤثر في بروتين عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ (BDNF) المرتبط بالتعلم والذاكرة وصحة الخلايا العصبية.
لكن معظم الأبحاث المتاحة حوله جاءت من روسيا أو أجريت على الحيوانات ولا توجد أدلة بشرية قوية تثبت قدرته على تحسين القدرات الإدراكية لدى الأشخاص الأصحاء أو الوقاية من التدهور المعرفي.
أما سيلانك فيروج له للمساعدة على تقليل القلق والتوتر وتحسين التركيز إلا أن معظم الأبحاث المتعلقة به تركز على التجارب الحيوانية والدراسات الجزيئية ولا تزال فعاليته لدى البشر بحاجة إلى مزيد من التقييم.
وفيما يتعلق بالنوم، يبرز ببتيد إيميدلتايد (DSIP) الذي يروج له باعتباره وسيلة لتحسين جودة النوم وزيادة مدته وتعزيز النوم العميق لكن الدراسات البشرية المتاحة محدودة وقدمت نتائج متباينة ما لا يسمح بتأكيد فعاليته كعلاج لاضطرابات النوم.
تتضمن قائمة الببتيدات التي تحظى باهتمام الرجال مركبات تستهدف تنظيم إفراز الهرمونات ومن بينها كيسبيبتين-10 (Kisspeptin-10) الذي يحفز إفراز الهرمون المسؤول عن تنظيم إنتاج الهرمونات التناسلية بما قد يؤثر في مستويات التستوستيرون والوظائف الجنسية.
وأشارت تجربة سريرية صغيرة إلى إمكانية تأثير الكيسبيبتين في الاستجابة الجنسية لدى بعض الرجال الذين يعانون من انخفاض الرغبة الجنسية مع تسجيل تغيرات في مؤشرات الإثارة والانتصاب.
كما يروج لببتيدات مثل إيباموريلين (Ipamorelin) وCJC-1295 لتحفيز إفراز هرمون النمو بهدف زيادة الكتلة العضلية وتحسين التعافي وتقليل الدهون.
وأظهرت بعض التجارب البشرية أن CJC-1295 يمكن أن يرفع مستويات هرمون النمو لفترات ممتدة لكن استخدامه ارتبط بآثار جانبية كما أوقفت إحدى تجارب المرحلة الثانية بعد وفاة أحد المشاركين وهو ما يعزز الحاجة إلى تقييم مخاطره بعناية.
تدخل بعض الببتيدات أيضاً ضمن المنتجات التي يروج لها لمكافحة علامات التقدم في العمر وتحسين صحة الجلد والشعر.
ومن أبرزها إيبيتالون الذي يزعم أنه يساعد على تنظيم الساعة البيولوجية وتحسين النوم وإبطاء الشيخوخة من خلال تأثيرات محتملة في التيلوميرات وهي الأجزاء الموجودة في نهايات الكروموسومات وتساعد على حمايتها.
لكن معظم الأدلة المتعلقة بهذه الفوائد جاءت من دراسات معملية وأبحاث محدودة ولا توجد تجارب بشرية قوية تثبت قدرته على إبطاء الشيخوخة أو منع التدهور المعرفي.
كذلك يستخدم ببتيد النحاس GHK-Cu في مستحضرات العناية بالبشرة بهدف تعزيز إنتاج الكولاجين والإيلاستين وتحسين التئام الجروح وتقليل التجاعيد إلا أن الأدلة المتعلقة باستخدامه الموضعي تختلف عن الأدلة الخاصة بالحقن أو الاستخدام الفموي التي لا تزال سلامتها غير محسومة.
رغم الوعود المرتبطة بالببتيدات يحذر خبراء من أن انتشار استخدامها لا يعني ثبوت فعاليتها أو ضمان سلامتها خاصة مع نقص البيانات المتعلقة بالجرعات المناسبة والآثار الجانبية طويلة الأمد.
وتشمل المخاوف المحتملة اختلاف جودة المنتجات وتركيز المواد الفعالة واحتمال تلوث المستحضرات التي يتم الحصول عليها من مصادر غير خاضعة للرقابة فضلاً عن التأثيرات غير المتوقعة في الهرمونات والتمثيل الغذائي والجهاز المناعي.
كما تثير بعض المركبات مخاوف تتعلق باحتمالية تأثيرها في نمو الأورام أو تكوين الأوعية الدموية المغذية لها لكن هذه المخاطر لا تنطبق بالضرورة على جميع أنواع الببتيدات وتحتاج إلى تقييم علمي لكل مركب على حدة.
المخاطر المحتملة لاستخدام الببتيدات الاصطناعية
تشير الطبيبة موتيسولا لويس المتخصصة في الطب الباطني إلى أن الحماس المتزايد لاستخدام الببتيدات تجاوز الأدلة السريرية المتاحة، مؤكدة أهمية عدم التوسع في استخدامها قبل التأكد من فعاليتها وسلامتها وجودة المنتجات.
كما حذرت الدكتورة سريثا راجوبيت رئيسة قسم طب الأسرة والسكان والطب الوقائي، من أن معظم هذه المركبات لا تزال تفتقر إلى بيانات بشرية عالية الجودة بشأن السلامة والفعالية والجرعات المناسبة.
وشددت على أهمية مناقشة المرضى لاستخدام هذه المواد بشفافية مع توضيح أن العديد منها لا يزال في المرحلة التجريبية وأن فوائده ومخاطره لم تحسم بعد.