يمثل إيصال الأدوية إلى الدماغ أحد أكبر التحديات أمام علاج العديد من أمراض الجهاز العصبي بسبب وجود الحاجز الدموي الدماغي (BBB) وهو طبقة واقية تمنع السموم ومسببات الأمراض الموجودة في مجرى الدم من الوصول إلى أنسجة الدماغ لكنها في الوقت نفسه قد تعيق وصول بعض الأدوية الضرورية إلى المكان المستهدف.
وكشفت مراجعة حديثة نشرت في دورية الطب التجريبي والجزيئي عن مجموعة من التقنيات الواعدة التي قد تساعد على تجاوز هذا الحاجز من خلال توصيل الأدوية إلى الدماغ عبر الأنف دون الحاجة إلى الحقن أو التدخلات الجراحية، وذلك حسب ما ذكره موقع Medical Xpress.
أمراض الجهاز العصبي
يعد مسار التوصيل من الأنف إلى الدماغ أحد أكثر الطرق الواعدة، إذ يمكنه تجاوز الحاجز الدموي الدماغي والوصول إلى الدماغ مباشرة كما يتجنب الدواء المرور الأول عبر الكبد الذي قد يؤدي إلى تكسير جزء منه قبل وصوله إلى الدورة الدموية.
ويعتمد هذا المسار بشكل أساسي على العصب الشمي الذي ينقل المعلومات من مستقبلات الروائح الموجودة في بطانة الأنف إلى مقدمة الدماغ.
كما يمكن أن تلعب الأعصاب الثلاثية التوائم دوراً في نقل الجزيئات من الأنف إلى مناطق أعمق من الدماغ بما في ذلك جذع الدماغ.
لكن هذه الطريقة تواجه تحديات كبيرة، إذ إن مساحة الظهارة الشمية لدى البشر أصغر بكثير من القوارض المستخدمة في التجارب ففي حين تغطي الظهارة الشمية نحو 40% إلى 50% من تجويف الأنف لدى القوارض لا تتجاوز نسبتها لدى البشر نحو 3% إلى 10%.
كما يعمل الأنف بكفاءة على التخلص من المواد الغريبة سواء من خلال المخاط أو الإنزيمات، ما يترك فترة قصيرة أمام الدواء ليتم امتصاصه والوصول إلى الدماغ.
تشير المراجعة إلى أن تقنيات النانو قد تساعد على التغلب على هذه المشكلة من خلال تغليف جزيئات الدواء بمواد تحميها من التحلل السريع وتساعدها على البقاء داخل الأنف لفترة أطول.
ومن بين هذه المواد الكيتوزان وهو عديد سكاريد طبيعي يمكن الحصول عليه من قشور الجمبري والقشريات الأخرى ويمكن استخدامه لتغليف الجسيمات النانوية ومساعدتها على الالتصاق ببطانة الأنف، ما قد يطيل مدة بقائها هناك إلى ضعفين أو أربعة أضعاف مقارنة بالمدة المعتادة.
كما يمكن استخدام الجسيمات الليبوزومية التي تغلف الدواء داخل حويصلات صغيرة شبيهة بالدهون للمساعدة في تحسين استهداف الدماغ وزيادة كمية الدواء التي تصل إليه.
تتناول المراجعة أيضاً استخدام الحويصلات خارج الخلوية وهي جسيمات بيولوجية صغيرة تطلقها الخلايا بشكل طبيعي للتواصل فيما بينها.
ويمكن الاستفادة من هذه الحويصلات كوسيلة لنقل الأدوية إلى الدماغ. فعلى سبيل المثال، أظهرت الدراسات أن الحويصلات المستخلصة من الخلايا الجذعية العصبية يمكنها الانتشار بسرعة داخل الدماغ والوصول إلى معظم مناطقه خلال نحو 45 دقيقة من توصيلها عبر الأنف.
كما قد تكون الحويصلات المأخوذة من الخلايا المناعية أكثر قدرة على استهداف المناطق الملتهبة في الدماغ وهو ما يفتح المجال أمام استخدامها مستقبلاً في علاج بعض الأمراض التنكسية العصبية المرتبطة بالالتهاب العصبي مثل مرض باركنسون ومرض ألزهايمر.
تتجاوز بعض التقنيات فكرة استخدام الجزيئات الناقلة لتستفيد من الخلايا الحية المصممة خصيصاً لتوصيل العلاج.
وأظهرت دراسات تجريبية أن بعض الخلايا الجذعية يمكنها الانتقال عبر المسارات العصبية الموجودة في الأنف والوصول مباشرة إلى الدماغ وفي نماذج للسكتة الدماغية، تمكن رذاذ أنفي يحتوي على خلايا جذعية ودواء من الوصول إلى أنسجة المخ المتضررة خلال نحو ساعة ونصف، ما يشير إلى إمكانية استخدام هذه الطريقة مستقبلًا للمساعدة في الحد من الضرر وتحفيز عمليات الإصلاح.
كما أظهرت بعض السلالات غير الضارة من البكتيريا والفيروسات قدرة على استخدام المسار نفسه للوصول إلى الدماغ مع إمكانية تصميمها لأداء وظائف علاجية محددة.
رذاذ أنفي للوصول إلى أنسجة المخ المتضررة
رغم النتائج الواعدة، لا تزال هذه التقنيات في مراحل البحث والتطوير ولا يعني نجاحها في التجارب المعملية أو على الحيوانات أنها أصبحت علاجاً متاحاً للمرضى.
ويحتاج تحويل هذه الأساليب إلى علاجات فعلية إلى التغلب على عدة تحديات من بينها ضمان وصول الجرعة بشكل منتظم وتحقيق استهداف دقيق للمنطقة المطلوبة داخل الدماغ والتأكد من سلامة العلاج على المدى الطويل إضافة إلى تطوير طرق تصنيع واسعة النطاق.
وبذلك قد يمثل التوصيل الدوائي من الأنف إلى الدماغ مستقبلاً خياراً غير جراحي لعلاج بعض أمراض الجهاز العصبي لكنه لا يزال بحاجة إلى مزيد من الأبحاث والتجارب قبل أن يصل إلى الاستخدام السريري على نطاق واسع.