عندما نحاول التركيز على صوت خافت وسط الضوضاء غالباً ما نلجأ بشكل تلقائي إلى إغلاق أعيننا، هذه العادة الشائعة تستند إلى اعتقاد قديم بأن تقليل المدخلات البصرية يمنح الدماغ قدرة أكبر على معالجة الأصوات، لكن هل هذه الفكرة صحيحة دائماً؟
معالجة الدماغ للمدخلات البصرية
يعتمد الدماغ على توزيع الانتباه بين الحواس المختلفة وعند تقليل المحفزات البصرية يُفترض أن يزداد التركيز على الصوت مما يساعد على التقاط الإشارات السمعية الضعيفة، في البيئات الهادئة قد يكون هذا صحيحاً إلى حد كبير حيث يسمح تقليل التشتيت البصري بتوجيه الانتباه نحو الأصوات الدقيقة لكن في البيئات الصاخبة يبدو أن الأمر أكثر تعقيداً.
أجرى باحثون تجربة لاختبار ما إذا كان إغلاق العينين يحسن السمع بالفعل في البيئات المليئة بالضوضاء في دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة JASA، حيث طُلب من المشاركين الاستماع إلى أصوات مختلفة عبر سماعات مع وجود ضوضاء في الخلفية ثم ضبط مستوى الصوت حتى يتمكنوا من تمييزه بالكاد، وتم تكرار التجربة في عدة حالات: مع إغلاق العينين ومع فتحهما والنظر إلى شاشة فارغة ثم إلى صورة ثابتة وأخيراً إلى فيديو متحرك متوافق مع الصوت.
حاسة السمع
خلافاً للاعتقاد الشائع أظهرت النتائج أن إغلاق العينين قد يُضعف القدرة على اكتشاف الأصوات في البيئات الصاخبة، في المقابل ساعدت مشاهدة فيديو متحرك يتوافق مع الصوت على تحسين الحساسية السمعية بشكل ملحوظ، ما يشير إلى أن الدماغ يستفيد من دمج المعلومات البصرية والسمعية معاً.
باستخدام تخطيط نشاط الدماغ وجد الباحثون أن إغلاق العينين يضع الدماغ في حالة تُعرف بـ"الحرج العصبي" حيث يصبح أكثر ميلًا لتصفية الإشارات، ورغم أن هذه الآلية قد تساعد في تقليل الضوضاء فإنها قد تؤدي أيضاً إلى تصفية الأصوات المهمة التي نحاول سماعها ما يضعف القدرة على التمييز بينها وبين الخلفية، بمعنى آخر التركيز الداخلي الزائد قد يعمل ضدنا في البيئات الصاخبة حيث يحتاج الدماغ إلى التفاعل مع العالم الخارجي لفصل الصوت المستهدف عن الضوضاء.
تشير النتائج إلى أن الرؤية لا تُشتت الانتباه كما كان يُعتقد بل قد تعزز القدرة على السمع خاصة عندما تكون المعلومات البصرية متطابقة مع الصوت، هذا ما يُعرف بالتكامل الحسي حيث يعمل الدماغ على دمج المعلومات من الحواس المختلفة لتحسين الإدراك، فعندما يرى الشخص مصدر الصوت أو حركة مرتبطة به يصبح من الأسهل تفسيره وتمييزه.
يعتمد الأمر على طبيعة البيئة المحيطة، ففي الأماكن الهادئة قد يساعد إغلاق العينين على تحسين التركيز السمعي، أما في البيئات الصاخبة فقد يكون من الأفضل إبقاء العينين مفتوحتين والاستفادة من المعلومات البصرية.
يسعى الباحثون إلى فهم أعمق للعلاقة بين السمع والبصر خاصة في الحالات التي لا تتطابق فيها المعلومات الحسية مثل سماع صوت معين مع رؤية صورة غير مرتبطة به، وقد تساعد هذه الأبحاث في تطوير تقنيات لتحسين السمع، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من صعوبات سمعية من خلال الاستفادة من التكامل بين الحواس.