تسوق الرحلات البحرية باعتبارها تجربة ترفيهية متكاملة، لكنها في الوقت نفسه تمثل بيئة مثالية لفهم كيفية انتشار الأمراض المعدية داخل المجتمعات المغلقة.
فالسفن السياحية ليست مجرد وسيلة سفر، بل مدن صغيرة مؤقتة تضم مطاعم ومسارح ومصاعد وكبائن وأنظمة مياه وأماكن ترفيهية مشتركة، يعيش ويتحرك فيها آلاف الأشخاص معاً لأيام متواصلة، ما يجعل انتقال العدوى أسرع وأسهل، وذلك حسب ما ذكره موقع ScienceAlert.
داخل السفينة، يتشارك الركاب والطاقم نفس المساحات المغلقة والطعام والهواء والأسطح، وهو ما يخلق بيئة مترابطة تسمح للفيروسات والبكتيريا بالانتشار بسرعة بمجرد دخولها إلى السفينة.
انتشار الفيروسات والبكتيريا
ويؤكد خبراء الصحة العامة أن هذه البيئة تجعل احتواء العدوى أكثر صعوبة، خاصة إذا تأخر اكتشاف الحالات أو عزل المصابين.
يعد تفشي فيروس كورونا على متن سفينة دايموند برينسيس خلال عام 2020 أحد أبرز الأمثلة على خطورة انتقال الأمراض داخل السفن السياحية.
فقد أصيب مئات الركاب وأفراد الطاقم بفيروس كوفيد-19، وأظهرت الدراسات أن طبيعة السفينة المغلقة والتجمعات المستمرة ساعدت بشكل كبير على انتشار العدوى رغم تطبيق إجراءات الحجر الصحي والعزل.
يعتبر نوروفيروس من أكثر الفيروسات المرتبطة بالسفن السياحية، إذ ينتشر بسهولة عبر الطعام الملوث والأسطح المشتركة والتلامس المباشر بين الأشخاص.
كما أظهرت تسجيل عشرات حالات التفشي على متن سفن سياحية مختلفة خاصة في أماكن تناول الطعام الجماعي والبوفيهات المفتوحة.
كما ارتبطت سفن مثل سيليبريتي ميركوري وإكسبلورر أوف ذا سيز وكارنيفال تريومف بتقارير تفشي لفيروسات معوية وتنفسية خلال السنوات الماضية.
يلعب نظام تقديم الطعام داخل السفن دوراً مهماً في انتقال الأمراض، حيث يتشارك الركاب أدوات التقديم والطاولات والأسطح نفسها.
وقد ينقل شخص مصاب العدوى قبل ظهور الأعراض عليه سواء من خلال لمس الطعام أو الأسطح المشتركة، ما يسمح بانتشار الفيروس بسرعة بين الركاب.
رغم أن السفن السياحية ليست أماكن مغلقة بالكامل، فإن معظم الأنشطة تتم داخل مساحات داخلية مزدحمة مثل المطاعم والمسارح والكبائن.
كما أن ضعف التهوية أو نقص تجديد الهواء النقي قد يزيد من فرص انتشار الفيروسات التنفسية مثل الإنفلونزا وكوفيد-19 خاصة في الأماكن المزدحمة.
لا تقتصر المخاطر على الفيروسات فقط، إذ يمكن للبكتيريا أيضاً أن تنتشر عبر أنظمة المياه داخل السفن.
ويعد مرض الفيالقة مثالاً على ذلك، حيث يمكن أن ينتقل عبر استنشاق قطرات المياه الملوثة من أحواض المياه الساخنة أو أنظمة الاستحمام والتكييف.
وقد سجلت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة عدة حالات تفشي مرتبطة بأنظمة المياه في السفن السياحية.
تحظى الرحلات البحرية بشعبية كبيرة بين كبار السن وهم الفئة الأكثر عرضة لمضاعفات العدوى بسبب الأمراض المزمنة وضعف المناعة.
فنزلات المعدة قد تؤدي إلى الجفاف، بينما يمكن أن تتحول العدوى التنفسية إلى التهاب رئوي خطير يتطلب دخول المستشفى.
ورغم وجود مراكز طبية داخل السفن، فإن إمكانياتها تظل محدودة مقارنة بالمستشفيات على اليابسة.
تعد حالات الإصابة بفيروس هانتا على متن السفن السياحية نادرة نسبياً، إذ يرتبط الفيروس عادة بالقوارض.
لكن التقارير الأخيرة المرتبطة بالسفينة إم في هونديوس أعادت تسليط الضوء على خطورة انتشار الأمراض في البيئات المغلقة والمزدحمة.
غسل اليدين جيداً بالماء والصابون باستمرار
ينصح خبراء الصحة العامة باتخاذ عدة خطوات وقائية قبل وأثناء الرحلات البحرية أبرزها:
التأكد من تحديث اللقاحات الأساسية
غسل اليدين جيداً بالماء والصابون باستمرار
تجنب البوفيهات المزدحمة عند الشعور بأي أعراض
الإبلاغ المبكر عن المرض وعدم مخالطة الآخرين
التأكد من وجود تغطية صحية وتأمين سفر مناسب
ويؤكد الخبراء أن شركات الرحلات البحرية حسنت معايير النظافة والاستجابة لتفشي الأمراض خلال السنوات الأخيرة، لكن طبيعة السفن نفسها ستظل دائماً بيئة تساعد على انتشار العدوى إذا لم يتم الالتزام بالإجراءات الوقائية.