في ظل تزايد الاهتمام بالأنشطة التي تدعم الصحة النفسية والعقلية، كشفت دراسة علمية حديثة عن فوائد غير متوقعة لهواية بسيطة يمارسها الملايين حول العالم وهي مراقبة الطيور، حيث أظهرت النتائج أن هذه الهواية قد تسهم في تحسين وظائف الدماغ وإعادة تشكيله بشكل إيجابي.
وتعد مراقبة الطيور من الهوايات الشائعة عالمياً، إذ أفاد ما يقرب من 100 مليون شخص في الولايات المتحدة بأنهم يمارسونها، وفقا لبيانات خدمة الأسماك والحياة البرية الأمريكية.
كما يشارك مئات الآلاف في المملكة المتحدة سنوياً في فعالية "مراقبة طيور الحدائق الكبرى"، وعلى مستوى العالم ازداد الإقبال على هذه الهواية بشكل ملحوظ خلال جائحة كورونا، نتيجة فترات الإغلاق الطويلة التي دفعت الكثيرين للبحث عن أنشطة هادئة في الطبيعة، وذلك حسب ما ذكره موقع Psychology Today.
تحسين وظائف الدماغ
أجرى باحثون في معهد روتمان للأبحاث في تورنتو دراسة حديثة لفهم تأثير مراقبة الطيور على الدماغ، حيث شملت 58 شخصاً بالغاً من مختلف الأعمار، وتم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين خبراء في تمييز أنواع الطيور وأشخاص مبتدئون.
وخضع جميع المشاركين لفحوصات دقيقة باستخدام تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي بما في ذلك التصوير الموزون بالانتشار لدراسة بنية الدماغ والتصوير الوظيفي لرصد نشاطه أثناء أداء مهام تتعلق بتحديد أنواع الطيور.
وأظهرت النتائج أن خبراء مراقبة الطيور يمتلكون بنية دماغية أكثر كثافة في المناطق المسؤولة عن الانتباه والإدراك البصري خاصة في المناطق الجبهية الجدارية والمناطق القشرية الخلفية، كما تبين أن زيادة كثافة هذه المناطق ترتبط بتحسن القدرة على تمييز أنواع الطيور خصوصاً الأنواع النادرة.
رغم أن هذه الدراسة جاءت على نطاق محدود ولم تعتمد على تدخلات علاجية مباشرة، فإن نتائجها تقدم مؤشرات مهمة على أن ممارسة هواية مراقبة الطيور بشكل منتظم والوصول فيها إلى مستوى متقدم من الخبرة، قد يسهم في إحداث تغييرات فعلية في بنية الدماغ وإعادة تشكيله بطريقة إيجابية.
وتتوافق هذه النتائج مع ما توصلت إليه دراسة حديثة أخرى بعنوان التجارب الإبداعية وساعات الدماغ، والتي نشرت في أكتوبر 2025 في مجلة Nature Communications، حيث أظهر الباحثون أن الأفراد الذين يشاركون بشكل أكبر في أنشطة إبداعية يتمتعون بأدمغة تبدو أصغر سنا من الناحية البيولوجية، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بمستوى خبرتهم وانخراطهم في هذه الأنشطة.
وبصورة أوسع، تشير الأدلة العلمية المتراكمة إلى أن الانخراط في الأنشطة التي تثري القدرات المعرفية أو ما يعرف بمفهوم التعلم مدى الحياة، قد يلعب دوراً مهماً في الحفاظ على صحة الدماغ وتأخير التدهور الإدراكي المرتبط بالتقدم في العمر.
وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة نشرت في مجلة Neurology أن الأشخاص الذين يحرصون على ممارسة أنشطة ذهنية محفزة بشكل منتظم تقل لديهم احتمالات الإصابة بمرض الزهايمر بنسبة تصل إلى 38%، كما أن ظهور المرض لديهم قد يتأخر في المتوسط بنحو خمس سنوات مقارنة بغيرهم.
تعزيز التفاعل الاجتماعي
لا تقتصر فوائد مراقبة الطيور على تنشيط الدماغ فقط، بل تمتد لتشمل جوانب صحية ونفسية متعددة من أبرزها:
الانضمام إلى مجموعات لمراقبة الطيور يساهم في بناء علاقات اجتماعية وهو عامل مهم لصحة الدماغ.
تتطلب هذه الهواية الحركة والتنقل، ما يدعم اللياقة البدنية وصحة المخ.
يرتبط التواجد في البيئات الطبيعية بتحسين الحالة المزاجية وتقليل التوتر.
تقليل التعرض للأجهزة الرقمية يساعد في تحسين التركيز والصحة الذهنية.
وهو عامل أساسي نظراً لأن التوتر المزمن يؤثر سلباً على الوظائف الإدراكية.
ورغم هذه الفوائد، يؤكد الخبراء أن مراقبة الطيور لا يمكن أن تحل محل العادات الصحية الأساسية مثل اتباع نظام غذائي متوازن والحصول على قسط كافي من النوم وممارسة الرياضة بانتظام.