في الوقت الذي يتزايد فيه انتشار مرض السكري عالمياً، يبحث الأطباء عن وسائل جديدة للكشف المبكر عن الحالات غير المشخّصة. المفاجأة أن عيادة الأسنان قد تكون واحدة من أهم هذه الوسائل فزيارة روتينية لطبيب الأسنان لا تقتصر فقط على فحص اللثة والأسنان، بل قد تكشف أيضاً عن مؤشرات خفية لاضطرابات في سكر الدم.
يُعد تحليل الهيموجلوبين السكري (HbA1c) من أهم المؤشرات التي تعكس متوسط مستويات السكر في الدم خلال الأشهر السابقة، وهو ما يجعله أداة فعالة لتشخيص حالات ما قبل السكري والسكري، ومع تطور الأجهزة أصبح بالإمكان إجراء هذا الاختبار بسرعة داخل عيادات الأسنان فيما يُعرف بـ"chairside testing".
مرض السكري
تُظهر الأبحاث وجود علاقة وثيقة بين أمراض اللثة ومرض السكري من النوع الثاني، فارتفاع مستويات السكر في الدم يؤدي إلى زيادة الالتهاب، وضعف المناعة مما يفاقم أمراض اللثة، وفي المقابل قد تؤدي التهابات اللثة المزمنة إلى تدهور التحكم في مستويات السكر.
تشير البيانات إلى أن الأشخاص المصابين بالسكري أكثر عرضة للإصابة بأمراض اللثة، بما يصل إلى 3 أضعاف مقارنة بغيرهم خاصة إذا كان المرض غير منضبط، وهذا التفاعل المتبادل يجعل من فحص الفم مؤشر مهم على الصحة العامة وليس مجرد إجراء تجميلي أو وقائي للأسنان فقط.
في دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة "Journal of Dentistry"، تم تحليل بيانات 911 مريضاً في المملكة المتحدة باستخدام اختبار (HbA1c) داخل عيادات الأسنان، وأظهرت النتائج أن نحو ثلث المرضى كانوا يعانون من مستويات سكر في نطاق ما قبل السكري أو السكري دون علمهم.
كما بينت الدراسة أن متوسط مستوى (HbA1c) كان أعلى لدى المرضى الذين يعانون من أمراض اللثة مقارنة بالأصحاء، وعلى الرغم من أن العلاقة لم تكن قوية إحصائياً بعد التعديل فإنها ظلت مؤشر مهم يستحق الانتباه.
الأكثر لفتاً للنظر أن نحو 28.7% من المشاركين كانوا في مرحلة ما قبل السكري بينما 7.3% كانوا ضمن نطاق السكري رغم عدم تشخيصهم سابقاً. هذه الأرقام تعكس حجم المشكلة وخطورة الاعتماد فقط على الفحوصات التقليدية.
أمراض اللثة
العديد من الأشخاص يزورون طبيب الأسنان بانتظام أكثر من زيارتهم للطبيب العام؛ مما يجعل هذه الزيارات فرصة ذهبية لاكتشاف الأمراض المزمنة مبكراً، كما أن الفحص لا يتطلب إجراءات معقدة ويمكن دمجه بسهولة في الزيارة الروتينية.
وتوصي إرشادات NICE بضرورة توعية مرضى السكري بمخاطر أمراض اللثة وكذلك استغلال زيارات الأسنان للكشف عن المرض لدى الأشخاص المعرضين للخطر خاصة من لديهم عوامل مثل السمنة والتقدم في العمر أو التاريخ العائلي للمرض.
تسلط هذه النتائج الضوء على أهمية الربط بين طب الأسنان والرعاية الصحية العامة، فالتكامل بين التخصصات يمكن أن يسهم في تحسين الكشف المبكر وتقليل المضاعفات مثل أمراض القلب أو تلف الأعصاب المرتبطة بالسكري.
كما أن العلاج الفعال لأمراض اللثة قد يساهم في تحسين التحكم في مستويات السكر، مما يعزز من جودة حياة المرضى ويقلل من تكاليف العلاج على المدى الطويل.
تشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من مرضى السكري حول العالم لا يعلمون بإصابتهم ما يزيد من خطر حدوث مضاعفات خطيرة، لذلك فإن استخدام أدوات بسيطة مثل اختبار HbA1c في عيادات الأسنان قد يمثل خطوة مهمة نحو تحسين الصحة العامة.
ومع تزايد الأدلة العلمية يبدو أن مستقبل الرعاية الصحية يتجه نحو نهج أكثر شمولاً حيث لا تقتصر كل عيادة على تخصصها فقط بل تسهم في الكشف المبكر عن أمراض قد تهدد حياة المرضى دون أعراض واضحة.