لم تعد السعادة مجرد شعور عابر أو رفاهية نفسية بل باتت تُعد عامل مهم قد يساهم في حماية القلب من الأمراض الخطيرة، فمع تزايد الاهتمام بالصحة الشاملة تشير الأدلة الحديثة إلى أن الشعور بالرضا عن الحياة والرفاه النفسي قد يلعب دور مباشر في تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.
يعيش كثير من الأشخاص تحت ضغوط يومية تؤثر على حالتهم النفسية إلا أن الحفاظ على قدر من الرضا والسعادة قد يكون له تأثير أعمق مما نتخيل إذ يرتبط بشكل وثيق بصحة الجسم ووظائفه الحيوية.
علاقة السعادة بالأمراض القلبية
تشير الأبحاث إلى أن الأفراد الذين يشعرون بالرضا عن حياتهم أو يتمتعون بإحساس عام بالسعادة يكونون أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب مقارنة بغيرهم ولا يقتصر الأمر على تحسين الحالة المزاجية بل يمتد ليشمل تأثيرات بيولوجية مثل تقليل الالتهابات وتحسين نمط الحياة، فعادة ما يتبنى الأشخاص الأكثر سعادة سلوكيات صحية مثل ممارسة النشاط البدني بانتظام والحفاظ على علاقات اجتماعية قوية وإدارة التوتر بطرق فعالة وهي عوامل معروفة بدورها في تقليل مخاطر الأمراض القلبية.
في دراسة نُشرت في مجلة Journal of the American Heart Association عام 2024، تم تحليل بيانات أكثر من 120 ألف شخص من المملكة المتحدة ضمن قاعدة بيانات UK Biobank، وركز الباحثون على تقييم مستوى الرفاه النفسي لدى المشاركين من خلال مدى رضاهم عن حياتهم وعلاقاتهم وصحتهم ووضعهم المالي.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين سجلوا أعلى مستويات من الشعور بالرفاه كانوا أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب التاجية والنوبات القلبية وفشل القلب و السكتات الدماغية مقارنة بمن لديهم مستويات منخفضة من الرفاه.
تأثير السعادة على الصحة النفسية والجسدية
كشفت الدراسة عن نتائج مهمة حيث تبين أن خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بشكل عام انخفض بنسبة تتراوح بين 10% و21% لدى الأشخاص الأكثر سعادة.
كما أظهرت البيانات أن:
هذه الأرقام تعكس تأثير قوي للحالة النفسية على صحة القلب ما يعزز فكرة أن الوقاية لا تقتصر على العوامل الجسدية فقط.
اعتمد الباحثون على تحليل إضافي باستخدام منهجية Mendelian randomization والتي تعتمد على الاختلافات الجينية لفهم العلاقة السببية بين العوامل المختلفة، وأشارت النتائج إلى أن الأشخاص الذين يتمتعون بمستويات أعلى من الرفاه يميلون إلى اتباع أنماط حياة صحية، بالإضافة إلى انخفاض مؤشرات الالتهاب لديهم، ويُعتقد أن هذه العوامل مجتمعة تفسر العلاقة بين السعادة و صحة القلب حيث يؤدي انخفاض الالتهاب وتحسن السلوكيات الصحية إلى تقليل مخاطر الإصابة بالأمراض.
تدعم هذه النتائج التوجه نحو مفهوم الرعاية الصحية الشاملة الذي يدمج بين الصحة النفسية والجسدية، فبدلاً من التركيز فقط على علاج الأمراض أصبح من الضروري تعزيز الشعور بالرضا والسعادة كجزء من الوقاية.
ويوصي الخبراء بدمج استراتيجيات بسيطة في الحياة اليومية مثل ممارسة الرياضة والانخراط في الأنشطة الاجتماعية وتعلم تقنيات إدارة التوتر لما لها من دور فعال في تحسين الرفاه العام.
كما تؤكد هذه النتائج ما ورد في بيان علمي سابق لجمعية القلب الأمريكية عام 2021، والذي أشار إلى أن الصحة النفسية يمكن أن تؤثر بشكل إيجابي أو سلبي على عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب.
رغم قوة النتائج، أشار الباحثون إلى بعض القيود منها اعتماد البيانات على استبيانات قد لا تكون دقيقة تمامًا، بالإضافة إلى أن المشاركين كانوا في الغالب من فئة سكانية محددة داخل المملكة المتحدة ما قد يحد من تعميم النتائج على جميع الشعوب، ومع ذلك تبقى النتائج مؤشر قوي على أهمية الصحة النفسية كعامل مؤثر في الوقاية من الأمراض القلبية.