تُعد متلازمة داون من الحالات الوراثية التي ترتبط بشكل وثيق بزيادة خطر الإصابة بمرض ألزهايمر وهو ما يثير تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا الارتباط، فالأشخاص المصابون بمتلازمة داون يحملون نسخة إضافية من الكروموسوم 21 والذي يحتوي على جين مهم يُعرف باسم APP، المسئول عن إنتاج بروتين يرتبط بتكوّن لويحات الدماغ المرتبطة بألزهايمر، هذه الزيادة الجينية تؤدي إلى تراكم مبكر وغير طبيعي لهذا البروتين ما يجعل الدماغ أكثر عرضة للتغيرات المرضية المرتبطة بالخرف.
مرض ألزهايمر
على عكس الحالات التقليدية من ألزهايمر التي تظهر في سن متقدمة يبدأ المرض لدى المصابين بمتلازمة داون في وقت مبكر نسبياً، وتشير البيانات إلى أن معظمهم يطورون تغيرات دماغية مرتبطة بألزهايمر قبل سن الأربعين بينما يتم تشخيص نسبة كبيرة بالخرف في الخمسينات من العمر.
ويرجع ذلك إلى التأثير المباشر للجينات حيث يؤدي الإفراط في إنتاج البروتينات المرتبطة بالمرض إلى تسريع عملية تدهور الخلايا العصبية مقارنة بغيرهم.
لا يقتصر الأمر على زيادة خطر الإصابة فقط، بل إن مسار المرض لدى هذه الفئة يكون أسرع إذ يتطور ألزهايمر لديهم بوتيرة أسرع مقارنة بالحالات الوراثية الأخرى أو الحالات المرتبطة بالتقدم في العمر، هذا التسارع يمنح الباحثين فرصة فريدة لفهم آليات المرض حيث يمكن تتبع مراحله بشكل أدق نظراً لتوقع حدوثه في سن محدد تقريباً.
تباطؤ المؤشرات الحيوية لدى المصابين بمتلازمة داون
تتميز أدمغة المصابين بمتلازمة داون بتراكم مبكر للويحات الأميلويد والتشابكات العصبية وهي العلامات الأساسية لمرض ألزهايمر، كما تلعب الالتهابات العصبية والتغيرات في المؤشرات الحيوية دور إضافي في تسريع التدهور.
ومن اللافت أن هذه التغيرات تشبه إلى حد كبير ما يحدث في الأنواع الأخرى من ألزهايمر سواء المرتبطة بالعمر أو الوراثة ما يعزز فهم العلماء للمرض بشكل عام.
في دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة The Lancet Neurology، تم تسليط الضوء على العلاقة الوثيقة بين متلازمة داون ومرض ألزهايمر حيث أوضحت أن نحو 95% من المصابين بمتلازمة داون معرضون للإصابة بالمرض خلال حياتهم، كما أظهرت الدراسة أن حوالي 70% منهم يتم تشخيصهم بالخرف بحلول سن 54 عامًا، ما يجعل ألزهايمر السبب الرئيسي للوفاة لدى البالغين المصابين بمتلازمة داون بعد سن 35 عاماً.
وأشارت النتائج إلى أن التغيرات في الأعراض والمؤشرات الحيوية لدى هؤلاء المرضى تتشابه بشكل كبير مع الأنواع الأخرى من ألزهايمر ما يجعلهم نموذجًا مهمًا لفهم تطور المرض.
أدى هذا الفهم المتزايد إلى إطلاق مبادرات بحثية متقدمة، من بينها برامج سريرية تستهدف تحديد علاجات تُبطئ تطور المرض، ويعمل تحالف متخصص في التجارب السريرية على تطوير أدوية تستهدف التغيرات البيولوجية الأساسية بدلاً من الاكتفاء بعلاج الأعراض، وتُعد هذه الجهود خطوة مهمة نحو إدخال هذه الفئة ضمن التجارب الطبية بعد أن ظلت لفترة طويلة خارج نطاق الأبحاث المتعلقة بألزهايمر.
تكمن أهمية هذه الأبحاث في أنها لا تساعد فقط المصابين بمتلازمة داون بل تسهم أيضاً في فهم ألزهايمر بشكل أوسع. فدراسة الحالات ذات الأسباب الوراثية الواضحة تتيح للعلماء اختبار نظرياتهم بشكل أدق مما قد ينعكس على تطوير علاجات لجميع المرضى.