يقترب العالم خطوة جديدة نحو القضاء على أحد أخطر الأمراض المهملة، وهو مرض النوم الذي طالما ارتبط بالفقر والمناطق الريفية في إفريقيا، فمع التقدم الطبي المستمر تبرز علاجات مبتكرة قد تغيّر مسار مكافحة هذا المرض القاتل وتجعل السيطرة عليه أكثر سهولة وفعالية.
يُعرف مرض النوم أو داء المثقبيات الإفريقي البشري بأنه عدوى طفيلية تنتقل عبر لدغات ذبابة "تسي تسي"، وتبدأ أعراضه بشكل بسيط يشبه الإنفلونزا، لكن مع تقدم المرض يصل الطفيل إلى الدماغ مسبباً اضطرابات خطيرة، مثل التشوش الذهني، وتغيرات في السلوك واضطراب نمط النوم، حيث ينام المريض نهاراً ويظل مستيقظاً ليلاً، وفي حال عدم العلاج قد يؤدي المرض إلى غيبوبة ثم الوفاة؛ ما يجعله من الأمراض التي تتطلب تدخل سريع وفعال.
لقاح مرض النوم
رغم التقدم الذي شهدته العلاجات منذ أوائل الألفية، فإن الخيارات المتاحة لا تزال معقدة؛ إذ تتطلب البقاء في المستشفى لعدة أيام وإجراء فحوصات مؤلمة مثل "البزل القطني" لتحديد مدى انتشار العدوى.
كما يمثل الوصول إلى هذه المصحات تحدياً كبيراً لسكان المناطق النائية، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص.
في هذا السياق، يبرز دواء (Acoziborole) كحل واعد قد يُحدث تحولاً جذرياً في العلاج. يتميز الدواء بسهولة استخدامه؛ إذ يُعطى في جرعة واحدة (3 أقراص) بالفم، دون الحاجة للمستشفى. وقد أوصت لجنة تابعة لوكالة الأدوية الأوروبية بالموافقة عليه عام 2026، في خطوة مهمة لإتاحته في دول مثل جمهورية الكونغو، بالإضافة إلى دول أفريقية أخرى.
في دراسة نُشرت في مجلة "The Lancet" عام 2023، شملت نحو 200 مريض في الكونغو وغينيا، أظهرت النتائج أن أكثر من 95% من المرضى تماثلوا للشفاء بعد 18 شهراً من تلقي العلاج.
ويمتاز الدواء بفعاليته في جميع مراحل المرض سواء في مراحله المبكرة أو المتقدمة، كما يمكن استخدامه للمرضى بدءاً من سن 12 عاماً دون الحاجة لإجراء البزل القطني ما يمثل نقلة نوعية في تبسيط العلاج.
شهد مرض النوم انخفاضاً كبيراً في معدلات الإصابة خلال العقود الماضية بفضل تحسين العلاجات وجهود مكافحة ذبابة "تسي تسي"، فقد انخفض عدد الحالات إلى أقل من 10 آلاف حالة عام 2009 ثم إلى أقل من 600 حالة فقط في عام 2024.
وتسعى منظمة الصحة العالمية إلى وقف انتقال المرض بحلول عام 2030، وهو هدف يبدو أكثر قابلية للتحقيق مع توفر علاجات سهلة وفعالة مثل "Acoziborole".
أعراض مرض النوم تشبه الإنفلونزا
رغم هذا التقدم لا يزال العلماء يواجهون تحديات أبرزها عدم الفهم الكامل للأماكن التي قد يختبئ فيها الطفيل في الجسم؛ ما قد يؤثر على جهود القضاء التام على المرض.
ومع ذلك يرى الخبراء أن هذا الدواء قد يسرّع بشكل كبير من تحقيق هذا الهدف خاصة مع التزام الشركة المنتجة بتوفير العلاج مجاناً عبر منظمة الصحة العالمية ما يضمن وصوله إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
ويأمل الباحثون أن يصبح مرض النوم أول مرض معدٍ يتم القضاء عليه دون الحاجة إلى لقاح في إنجاز طبي قد يمثل نقطة تحول في مكافحة الأمراض المدارية المهملة.