الأسبرين تحت المجهر.. فاعلية محدودة في الوقاية من الأورام

يُعد ورم القولون والمستقيم من أكثر أنواع الأورام شيوعاً وخطورة على مستوى العالم إذ يحتل مرتبة متقدمة بين أسباب الوفاة المرتبطة بالأورام، وغالباً ما يبدأ هذا المرض بتغيرات غير سرطانية تُعرف بالأورام الغدية والتي قد تتحول تدريجيًا إلى ورم إذا لم تُكتشف مبكراً.

في ظل هذا العبء يسعى الباحثون منذ سنوات إلى إيجاد وسائل وقائية فعالة من بينها استخدام الأدوية المضادة للالتهاب مثل الأسبرين فيما يُعرف بـ"الوقاية الدوائية".

التنبؤ بخطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيمورم القولون والمستقيم

الأسبرين بين الأمل والجدل

لطالما ارتبط استخدام الأسبرين بفوائد متعددة خاصة في الوقاية من أمراض القلب لكن دوره في الوقاية من الورم ظل محل جدل واسع، ويعود ذلك إلى التوازن الدقيق بين فوائده المحتملة ومخاطره وعلى رأسها النزيف، ورغم أن بعض الإرشادات الطبية أوصت باستخدامه لفئات معينة فإن تضارب نتائج الدراسات السريرية جعل من الصعب الوصول إلى توصيات حاسمة.

ماذا تقول الأدلة الحديثة؟

نشرت مراجعة علمية شاملة ضمن مجلة Cochrane في عام 2025، اعتمدت على تحليل بيانات 10 تجارب سريرية عشوائية شملت أكثر من 124 ألف مشارك من عموم السكان.

أظهرت النتائج أن تناول الأسبرين بجرعات منخفضة (75 إلى 100 ملج يومياً) لا يُحدث فرق يُذكر في تقليل معدلات الإصابة بورم القولون والمستقيم خلال فترة متابعة تتراوح بين 5 إلى 15 عاماً.

أما على المدى الطويل، أي بعد أكثر من 15 عاماً، فقد أشارت بعض البيانات إلى احتمال انخفاض طفيف في معدلات الإصابة والوفيات لكن هذه النتائج وُصفت بأنها "غير مؤكدة" بسبب ضعف جودة الأدلة.

5 مضاعفات للحمل قد تنبئ بالسكتة الدماغية بعد عقودعلاقة الأسبرين بالسكتة الدماغية

تأثير محدود على معدلات الوفيات

النتائج المتعلقة بالوفيات بدت أكثر تعقيداً إذ أشارت البيانات إلى احتمال زيادة خطر الوفاة بورم القولون خلال أول 5 إلى 10 سنوات من استخدام الأسبرين، ويُفسَّر ذلك باحتمال أن الدواء قد يُسرّع نمو أورام موجودة بالفعل ولكن غير مكتشفة، في المقابل ظهرت إشارات إلى انخفاض الوفيات بعد 15 عامًا من الاستخدام إلا أن هذه النتائج أيضاً تفتقر إلى اليقين العلمي الكافي.

مخاطر لا يمكن تجاهلها

رغم محدودية الفائدة، أظهرت الدراسة أدلة قوية على زيادة المخاطر المرتبطة باستخدام الأسبرين، فقد تبين أنه يرفع بشكل واضح خطر النزيف الشديد خارج الجمجمة مثل نزيف الجهاز الهضمي، كما ارتبط بزيادة احتمال الإصابة بمرض السكتة الدماغية النزفية وهي حالة خطيرة تنتج عن نزيف داخل الدماغ أو حوله، في المقابل لم يُظهر الأسبرين تأثير كبير على إجمالي الآثار الجانبية الخطيرة لكن المخاطر المحددة المرتبطة بالنزيف تظل مصدر قلق رئيسي.

لماذا تختلف النتائج؟

يرى الباحثون أن تأثير الأسبرين على الورم يعتمد على الزمن حيث قد يحتاج إلى سنوات طويلة حتى تظهر فوائده المحتملة، كما أن اختلاف الجرعات وخصائص المرضى ومدة المتابعة كلها عوامل تسهم في تضارب النتائج، إضافة إلى ذلك فإن معظم الدراسات أُجريت في دول ذات دخل مرتفع مما قد يحد من تعميم النتائج على باقي السكان حول العالم.

نحو قرار طبي أكثر حذراً

في ضوء هذه المعطيات تؤكد الأدلة الحالية أن استخدام الأسبرين للوقاية الأولية من ورم القولون والمستقيم لا يمكن التوصية به بشكل روتيني بل يجب أن يعتمد القرار على تقييم فردي دقيق يوازن بين خطر الإصابة بأمراض القلب وفوائد الأسبرين من جهة ومخاطر النزيف من جهة أخرى.

كما يشدد الباحثون على الحاجة إلى مزيد من الدراسات طويلة المدى خاصة لفهم تأثير الأدوية المضادة للالتهاب الأخرى وتحديد الفئات التي قد تستفيد فعليًا من هذا النوع من الوقاية.