شهد العالم خلال العقود الماضية نجاح كبير في السيطرة على العديد من الأمراض المعدية بفضل برامج التطعيم وكان مرض الحصبة من أبرز هذه النجاحات، غير أن خبراء الصحة العامة بدأوا في التحذير من عودة هذا المرض مرة أخرى نتيجة انخفاض معدلات التطعيم بين الأطفال في بعض الدول وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في عدد الإصابات خلال السنوات المقبلة.
الحصبة مرض فيروسي شديد العدوى ينتقل بسهولة عبر الهواء من خلال السعال أو العطس، ويمكن أن يصيب أي شخص غير محصّن باللقاح، كما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل الالتهاب الرئوي أو التهاب الدماغ، وقد يسبب الوفاة في بعض الحالات خاصة بين الأطفال الصغار أو الأشخاص الذين يعانون ضعفًا في جهاز المناعة.
التطعيم ضد مرض الحصبة
يعتمد العالم في مكافحة الحصبة على لقاح MMR الذي يحمي من الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، ويتميز هذا اللقاح بفعاليته العالية في منع الإصابة بالمرض وتقليل انتقال العدوى داخل المجتمع، لكن فعالية اللقاحات على مستوى المجتمع تعتمد على ما يعرف بـ"مناعة القطيع" أي أن يحصل معظم السكان على اللقاح.
ويشير الخبراء إلى أن الحفاظ على نسبة تطعيم تبلغ نحو 95% من الأطفال ضروري لمنع انتشار الفيروس، عندما تنخفض هذه النسبة تظهر فجوات في الحماية المجتمعية ما يسمح للفيروس بالانتشار بسهولة بين غير المطعمين.
يؤكد خبراء الصحة أن الحصبة من أكثر الأمراض المعدية انتشاراً حيث يمكن لشخص مصاب واحد أن ينقل العدوى إلى معظم الأشخاص غير المطعمين القريبين منه، وتشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى تسعة من كل عشرة أشخاص غير محصنين قد يصابون بالعدوى عند التعرض للفيروس.
وتبدأ أعراض المرض عادة بارتفاع في درجة الحرارة وسعال وسيلان الأنف والتهاب العينين ثم يظهر طفح جلدي مميز ينتشر في الجسم، ورغم أن كثير من الحالات قد تتعافى فإن المضاعفات قد تكون خطيرة في بعض الأحيان.
طفح جلدي منتشر في الجسم
حذرت دراسة نُشرت في مجلة Health Affairs عام 2024، من أن حتى الانخفاض البسيط في معدلات التطعيم يمكن أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في حالات الحصبة.
اعتمد الباحثون على تحليل بيانات التغطية بلقاح MMR في الولايات المتحدة وقاموا بمحاكاة سيناريو انخفاض معدل التطعيم بنسبة 1% سنوياً حتى عام 2030، وأظهرت النتائج أن هذا الانخفاض البسيط قد يؤدي إلى زيادة هائلة في الإصابات.
ووفقاً لتقديرات الدراسة، فإن انخفاض التطعيم بنسبة 1% فقط سنوياً قد يؤدي إلى تسجيل نحو 17 ألف حالة إصابة بالحصبة سنوياً، بالإضافة إلى حوالي 4 آلاف حالة دخول إلى المستشفيات و36 حالة وفاة يمكن الوقاية منها كل عام.
كما أظهرت التوقعات أن التكاليف الاقتصادية قد تكون كبيرة أيضاً إذ قد تضطر أنظمة الرعاية الصحية إلى إنفاق ما يقرب من 1.5 مليار دولار سنوياً نتيجة علاج الحالات الجديدة والاستجابة لتفشي المرض.
وأشار الباحثون إلى أن استمرار هذا الاتجاه قد يخفض التغطية الوطنية للقاح إلى نحو 87.5% وهو مستوى أقل بكثير من الحد المطلوب لتحقيق مناعة القطيع.
تشير البيانات الصحية الحديثة إلى أن بعض المناطق بدأت بالفعل تشهد ارتفاع في حالات الحصبة، ويرى الخبراء أن هذه المؤشرات تعكس خطورة التراجع في معدلات التطعيم لأن الفيروس يستغل أي فجوة صغيرة في المناعة المجتمعية لينتشر بسرعة.
يشدد خبراء الصحة العامة على أهمية اتخاذ خطوات عملية للحفاظ على مستويات التطعيم المرتفعة، ومن بين الإجراءات المقترحة تعزيز برامج التطعيم المدرسية إضافة إلى تعزيز الثقة في اللقاحات من خلال التوعية الصحية، كما يؤكد الباحثون أن تسهيل الوصول إلى اللقاحات وتوسيع برامج التوعية المجتمعية يمكن أن يساعد في منع عودة الأمراض التي كان من الممكن القضاء عليها.