الاكتئاب هو أحد أبرز أسباب الاعتلال الصحي والعجز حول العالم؛ إذ يؤثر على أكثر من 280 مليون شخص، ولا تقتصر تبعاته على المعاناة النفسية فقط بل تمتد لتشمل القدرة على العمل والعلاقات الاجتماعية وجودة الحياة، ومع ارتفاع أعداد المصابين وتفاوت فرص الوصول إلى العلاج النفسي والأدوية يتزايد البحث عن بدائل فعالة وآمنة يمكن دمجها في الرعاية الصحية اليومية.
الرياضة علاج للاكتئاب
لطالما ارتبطت التمارين الرياضية بالفوائد الجسدية، مثل تحسين صحة القلب وتقوية العضلات لكن الاهتمام بدورها في الصحة النفسية شهد تصاعداً ملحوظاً في السنوات الأخيرة.
الرياضة لا تتطلب تجهيزات معقدة ويمكن ممارستها بمرونة، كما أنها تحمل فوائد جانبية إيجابية تتجاوز تخفيف أعراض الاكتئاب،ما يجعلها خيار جذاب للمرضى ومقدمي الرعاية الصحية على حد سواء.
أدوية مضادات الاكتئاب
تشير الأدلة الحديثة إلى أن التمارين الرياضية قد تقلل أعراض الاكتئاب بدرجة مماثلة للعلاج النفسي، كما أظهرت نتائج المقارنة مع الأدوية المضادة للاكتئاب تأثيراً مشابهاً وإن كانت قوة الأدلة أقل يقيناً في هذه النقطة، وتبرز أهمية هذه النتائج في كونها تفتح المجال أمام خيارات علاجية متنوعة تُمكّن المرضى من اختيار ما يناسبهم وفق ظروفهم وتفضيلاتهم.
في مراجعة محدثة نُشرت عام 2024 ضمن "Cochrane"، حلّل باحثون من جامعة لانكشاير نتائج 73 تجربة عشوائية محكومة شملت نحو خمسة آلاف بالغ مصاب بالاكتئاب، وقارنت هذه الدراسات بين التمارين وعدم تلقي علاج، وكذلك بينها وبين العلاج النفسي والأدوية المضادة للاكتئاب.
وأظهرت النتائج فائدة متوسطة للتمارين في تخفيف الأعراض، مقارنة بعدم العلاج مع تأثير مماثل للعلاج النفسي استناداً إلى أدلة متوسطة اليقين وتأثير مشابه للأدوية بدليل محدود.
أوضحت المراجعة أن التمارين الخفيفة إلى متوسطة الشدة قد تكون أكثر فائدة من التمارين العنيفة، كما ارتبطت أفضل النتائج بإكمال ما بين 13 و36 جلسة من هذا النوع من النشاط البدني، وتشير هذه النتائج إلى أن الاستمرارية والاعتدال قد يكونان أكثر أهمية من الشدة العالية عند استخدام الرياضة كأداة علاجية.
لم يثبت تفوق نوع واحد من التمارين بشكل قاطع، إلا أن البرامج المختلطة وتمارين المقاومة بدت أكثر فاعلية من التمارين الهوائية وحدها. في المقابل لم تشمل التحليلات بعض الأنشطة مثل اليوجا وتمارين الإطال،ة ما يفتح الباب أمام أبحاث مستقبلية لتقييم دورها المحتمل في تحسين الصحة النفسية.
سُجلت آثار جانبية نادرة بين ممارسي التمارين وغالباً ما اقتصرت على إصابات عضلية بسيطة، أما الأدوية فارتبطت بآثار معروفة مثل الإرهاق واضطرابات الجهاز الهضمي، ويعزز ذلك صورة التمارين كخيار آمن نسبياً لإدارة أعراض الاكتئاب لدى شريحة واسعة من المرضى.
رغم إضافة 35 تجربة جديدة مقارنة بمراجعات سابقة صدرت في 2008 و2013 بقيت الاستنتاجات العامة متشابهة؛ نظراً لصغر حجم معظم الدراسات، ويؤكد الباحثون أن التجارب الكبيرة عالية الجودة تظل ضرورية لتحديد أنواع التمارين الأكثر فاعلية ومدى استمرار فوائدها على المدى الطويل.