في السنوات الأخيرة بات نسيان الوجوه والأسماء تجربة شائعة لدى كثيرين حتى بين من عُرفوا بدقة ذاكرتهم وقدرتهم على تذكّر التفاصيل، لقاءات متكررة تمر دون أن تترك أثر واضح وأسماء مألوفة تتوارى فجأة في لحظة الاستدعاء رغم الإحساس الداخلي بأن الذاكرة لم تُمحَ، هذا النوع من النسيان لا يرتبط غالباً بمرض عضوي بقدر ما يعكس حالة من الإرهاق الذهني وتراجع القدرة على التركيز في لحظات الضغط.
صعوبة استرداد الذاكرة نتيجة الإرهاق الذهني
الأمر لا يرتبط بمرض عصبي تقليدي فالمعلومة لا تختفي تماماً بل تعود عند الهدوء وهو ما يشير إلى خلل في الانتباه واسترجاع الذاكرة أكثر من كونه فقداناً لها، هذا النمط يتكرر لدى أشخاص يعملون في بيئات سريعة الإيقاع أو يعتمدون بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي حيث تتزاحم المعلومات دون فواصل كافية لمعالجتها.
السوشيال ميديا عبئ ذهني
تشير أبحاث منشورة في مجلات مثل BMC Psychology وComputers in Human Behavior عام 2025، إلى أن التعرض المستمر لكم هائل من المعلومات خاصة عبر المنصات الرقمية يؤدي إلى ما يُعرف بالتحميل المعرفي الزائد، في هذه الحالة يضطر المخ لمعالجة بيانات تفوق قدرته الطبيعية ما ينتج عنه إرهاق ذهني تدريجي وانخفاض في جودة التركيز والانتباه.
هذا الإرهاق لا يظهر فقط في شكل تعب بل يمتد ليؤثر على الذاكرة قصيرة المدى وقدرة الشخص على ربط الأسماء بالوجوه أو استدعاء تفاصيل سبق أن عرفها جيداً.
إلى جانب المعلومات يفرض العالم الرقمي ضغط اجتماعي متواصل: رسائل وتعليقات وتفاعل دائم وشعور غير معلن بضرورة الاستجابة، وتربط دراسات في Information & Management وJournal of Behavioral Addictions هذا الضغط بما يُعرف بـالإجهاد الاجتماعي وهو عامل يؤدي إلى استنزاف الطاقة الذهنية والعاطفية ويضعف القدرة على التركيز العميق.
في هذه الحالة يصبح العقل حاضر جسديًا لكنه مشتت ذهنيًا فلا يتم تسجيل اللقاءات أو الوجوه بعمق كافٍ يسمح باسترجاعها لاحقاً.
وفق أبحاث حديثة منشورة في Frontiers in Psychology فإن الإرهاق الناتج عن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل لا يتوقف عند الشعور بالتعب بل قد يقود إلى استنزاف معرفي حيث تقل الموارد الذهنية اللازمة للتذكر والتحليل واتخاذ القرار، هذا يفسر لماذا يفشل البعض في تذكر أسماء أشخاص عملوا معهم لفترات قصيرة أو ينسون ملامح وجوه مألوفة بمجرد مرور الوقت.
تشير الدراسات نفسها إلى أن التحكم الذاتي يلعب دور مهم في تخفيف هذه الأعراض، فالأشخاص القادرون على تنظيم وقتهم الرقمي وتقليل التعرض للمحتوى السريع والمتقطع يظهرون مستويات أقل من الإرهاق الذهني مقارنة بغيرهم، ومع ذلك فإن الاعتماد المفرط على السوشيال ميديا دون فترات استراحة ذهنية حقيقية يجعل السيطرة على هذه الأعراض أكثر صعوبة.