مشاهدة التلفزيون قد تكون أكثر ضرراً للدماغ من الجلوس أمام الكمبيوتر.. دراسة تكشف الفرق

قد نعتقد أن الجلوس لفترات طويلة أمام أي شاشة يضر الدماغ بالطريقة نفسها، لكن دراسة حديثة تشير إلى أن الأمر قد يكون أكثر تعقيدًا.

فنوع النشاط الذي نمارسه أثناء الجلوس قد يكون له دور مهم في صحة الدماغ. ووفقًا للدراسة، ارتبطت كثرة مشاهدة التلفزيون بانخفاض حجم بعض مناطق الدماغ، وزيادة مؤشرات تلف المادة البيضاء، إلى جانب أداء معرفي أضعف في مراحل لاحقة من العمر.

في المقابل، ارتبط الجلوس أثناء العمل على الكمبيوتر بنتائج أكثر إيجابية في بعض مؤشرات صحة الدماغ.

دراسة استمرت نحو 22 عامًا

تابع الباحثون في الدراسة، التي نُشرت في مجلة Alzheimer's & Dementia، نحو 1700 شخص بالغ من كبار السن لمدة تقارب 22 عامًا.

وركزت الدراسة على مقارنة نوعين من السلوك الخامل: الوقت الذي يقضيه الأشخاص في مشاهدة التلفزيون، والوقت الذي يقضونه جالسين أثناء العمل على الكمبيوتر.

وعند تقييم المشاركين في مراحل لاحقة من حياتهم، وجد الباحثون ارتباطًا بين زيادة مشاهدة التلفزيون وبعض المؤشرات المرتبطة بتدهور صحة الدماغ.

ماذا وجدت الدراسة عن مشاهدة التلفزيون؟

ارتبطت مشاهدة التلفزيون لفترات أطول بـ:

انخفاض حجم مناطق في الدماغ ترتبط بالشيخوخة ومرض ألزهايمر.

زيادة تلف المادة البيضاء في الدماغ.

ضعف نسبي في الأداء المعرفي.

وتُعد المادة البيضاء مهمة لأنها تساعد مناطق الدماغ المختلفة على التواصل مع بعضها البعض، بينما يمكن أن يرتبط تلفها بمشكلات في الوظائف المعرفية.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج لا تعني أن مشاهدة التلفزيون تسبب مباشرةً تلف الدماغ.

الكمبيوتر أظهر نمطًا مختلفًا

المثير في الدراسة أن الجلوس أمام الكمبيوتر، خصوصًا في سياق العمل، ارتبط بنمط معاكس.

فقد ارتبط العمل أثناء الجلوس بزيادة حجم بعض مناطق الدماغ وانخفاض تلف المادة البيضاء مقارنةً بمشاهدة التلفزيون.

ويرجح الباحثون أن السبب المحتمل هو طبيعة النشاط نفسه.

فالعمل على الكمبيوتر غالبًا ما يتطلب التفكير، والتخطيط، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات، ومعالجة المعلومات باستمرار، بينما تكون مشاهدة التلفزيون في كثير من الحالات نشاطًا أكثر سلبية وأقل تطلبًا للجهد الذهني.

المشكلة قد لا تكون في الجلوس وحده

تشير النتائج إلى أن السؤال الأهم ربما لا يكون: "كم ساعة تجلس؟" فقط، وإنما أيضًا: "ماذا تفعل أثناء جلوسك؟"

فمشاهدة التلفزيون لفترات طويلة قد تترافق مع عادات أخرى، مثل الجلوس دون فواصل للحركة أو تناول الوجبات الخفيفة، وهي عوامل قد تؤثر بدورها في الصحة العامة.

أما بعض الأنشطة التي تتم أثناء الجلوس، مثل العمل أو القراءة أو التعلم، فتتطلب قدرًا أكبر من المشاركة الذهنية.

لماذا قد يكون النشاط الذهني أفضل للدماغ؟

الأنشطة التي تتطلب التفكير والتخطيط وحل المشكلات يمكن أن تحفز مناطق مختلفة من الدماغ وتحافظ على استخدامها بشكل مستمر.

وهذا قد يفسر جزئيًا لماذا ظهر العمل على الكمبيوتر في الدراسة مرتبطًا بمؤشرات أفضل لصحة الدماغ مقارنة بمشاهدة التلفزيون.

لكن هذه مجرد تفسيرات محتملة، ولا تزال هناك حاجة إلى أبحاث إضافية لمعرفة الآليات التي تقف وراء هذه العلاقة.

هل تختلف النتائج بين الرجال والنساء؟

لاحظ الباحثون أن الارتباطات بين مشاهدة التلفزيون ومؤشرات صحة الدماغ كانت أقوى لدى الرجال.

لكنهم لم يتمكنوا من تحديد السبب بشكل قاطع.

وقد يكون الأمر مرتبطًا باختلافات بيولوجية، أو عادات مشاهدة التلفزيون، أو أنماط الحياة، أو عوامل أخرى، كما أن هذه النتيجة تحتاج إلى مزيد من البحث قبل استخلاص استنتاجات نهائية.

هل معنى ذلك أن مشاهدة التلفزيون ممنوعة؟

بالطبع لا.

الدراسة لا تقول إن مشاهدة التلفزيون بضع ساعات ستؤدي حتمًا إلى تلف الدماغ، كما أنها لا تثبت أن العمل على الكمبيوتر يحمي الدماغ بشكل مباشر.

لكنها تضيف إلى مجموعة من الأدلة التي تشير إلى أن قضاء فترات طويلة في مشاهدة التلفزيون قد يرتبط بتراجع الصحة الإدراكية مع التقدم في العمر.

ولهذا، فإن تقليل فترات المشاهدة الطويلة قد يكون خيارًا أفضل لصحة الدماغ، خصوصًا إذا تم استبدال جزء من هذا الوقت بأنشطة أكثر فائدة.

ماذا تفعل بدلًا من مشاهدة التلفزيون؟

يمكن تحويل جزء من وقت الشاشة إلى أنشطة تجمع بين الحركة أو التفاعل الاجتماعي أو التحفيز الذهني، مثل:

المشي وممارسة النشاط البدني.

القراءة.

تعلم مهارة جديدة.

ممارسة هواية تحتاج إلى تركيز.

مقابلة الأصدقاء والعائلة.

المشاركة في أنشطة اجتماعية.

أخذ فواصل للحركة أثناء فترات الجلوس الطويلة.

وتشير الأدلة السابقة أيضًا إلى أهمية الحفاظ على النشاط البدني والتواصل الاجتماعي والتحفيز العقلي كجزء من نمط حياة يدعم صحة الدماغ.

الدراسة تقدم رسالة مهمة: ليس كل جلوس متساويًا عندما يتعلق الأمر بصحة الدماغ.

فمشاهدة التلفزيون لفترات طويلة ارتبطت بانخفاض حجم بعض مناطق الدماغ، وزيادة تلف المادة البيضاء، وضعف الأداء المعرفي، بينما ارتبط الجلوس أثناء العمل على الكمبيوتر بنتائج مختلفة وأكثر إيجابية في بعض مؤشرات صحة الدماغ.

لكن لأن الدراسة قائمة على الملاحظة، فلا يمكن اعتبارها دليلًا على أن التلفزيون هو السبب المباشر لهذه التغيرات.

والأفضل ربما ليس التخلص من التلفزيون تماماً، وإنما استبدال جزء من وقت المشاهدة بالحركة، والتفاعل الاجتماعي، والقراءة، والتعلم والهوايات التي تشغل العقل.

ففي النهاية، قد يكون السؤال الحقيقي ليس: كم من الوقت تقضيه جالسًا؟ بل: كيف تقضي هذا الوقت؟