قد يبدو قياس ضغط الدم في طفولة مبكرة مجرد رقم عابر، لكن دراسة طويلة المدى تشير إلى أن هذا الرقم قد يحمل معلومات مهمة عن صحة القلب بعد عقود.
فقد وجد باحثون أن الأطفال الذين لديهم ضغط دم مرتفع في سن السابعة كانوا أكثر عرضة للوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية في منتصف العمر، حتى عندما كان الارتفاع بسيطًا ولم يصل إلى مرحلة ارتفاع ضغط الدم الكامل.
وبحسب الدراسة، التي نُشرت في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA)، تابعت نحو 38 ألف طفل لعقود، ووجدت أن ارتفاع ضغط الدم في هذه السن ارتبط بزيادة خطر الوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة تراوحت بين 40% و50%.

يُعد ضغط الدم مؤشراً مهمًا على صحة الأوعية الدموية والقلب، ولا يبدو أن تأثيره يبدأ فقط عند البالغين.
اعتمد الباحثون على بيانات أطفال قياس ضغط دمهم في سن السابعة، ثم تتبعوا حالتهم الصحية وأسباب الوفاة حتى عام 2016، عندما وصل متوسط أعمار المشاركين إلى نحو 54 عاماً.
وخلال فترة المتابعة، توفي 2837 مشاركاً، من بينهم 504 حالات وفاة نُسبت إلى أمراض القلب والأوعية الدموية.
وأظهر التحليل أن الأطفال الذين كانت قراءات ضغط الدم لديهم ضمن أعلى المستويات بالنسبة إلى أعمارهم وأجناسهم وأطوالهم واجهوا خطرًا أكبر للوفاة بأمراض القلب في مرحلة البلوغ.
المفاجأة أن الخطر لم يقتصر على الأطفال الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم الواضح.
فحتى الارتفاعات المتوسطة في ضغط الدم ارتبطت بزيادة خطر الوفاة بأمراض القلب لاحقًا. وارتفع الخطر بنسبة 13% مع ارتفاع الضغط الانقباضي، وبنسبة 18% مع ارتفاع الضغط الانبساطي.
كما ارتبط كل من ارتفاع ضغط الدم والضغط المرتفع جدًا في الطفولة بزيادة خطر الوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية تراوحت بين 40% و50%.
وهذا يشير إلى أن متابعة ضغط الدم منذ الصغر قد تساعد في اكتشاف عوامل الخطر قبل أن تتحول إلى مشكلة صحية أكثر خطورة.
عندما يرتفع ضغط الدم لفترات طويلة، يمكن أن يضع ذلك ضغطًا إضافيًا على القلب والأوعية الدموية.
ومع مرور السنوات، قد يساهم استمرار ارتفاع الضغط في الإضرار بالأوعية الدموية وزيادة احتمالية الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية وغيرها من المضاعفات القلبية الوعائية.
لكن الدراسة لا تعني أن الطفل الذي لديه قراءة مرتفعة في سن السابعة سيصاب حتمًا بأمراض القلب أو أن عمره الافتراضي يمكن تحديده من قراءة واحدة.
فالضغط يتغير مع العمر والنمو والنشاط والحالة الصحية، كما أن الدراسة نفسها اعتمدت على قياس واحد لضغط الدم في سن السابعة.
استفاد الباحثون من بيانات مشروع التعاون المحيط بالولادة (CPP)، الذي شمل أكثر من 38 ألف طفل ولدوا بين عامي 1959 و1965 في 12 موقعًا بالولايات المتحدة.
وتم ربط بيانات ضغط الدم في سن السابعة بسجلات الوفيات الوطنية، ما أتاح للباحثين دراسة العلاقة بين ضغط الدم في الطفولة والوفيات القلبية بعد عقود.
كما أجرى الباحثون تحليلًا شمل 150 مجموعة من الأشقاء، ووجدوا أن الأطفال الذين لديهم ضغط دم أعلى ظلوا أكثر عرضة لخطر الوفاة بأمراض القلب مقارنة بأشقائهم ذوي القراءات الأقل.

تؤكد النتائج أهمية عدم التعامل مع ضغط الدم المرتفع لدى الأطفال باعتباره أمرًا يمكن تجاهله.
وبحسب الإرشادات السريرية للأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، يُنصح بفحص ضغط الدم خلال الزيارات الصحية الدورية للأطفال بدءًا من عمر 3 سنوات.
ولا يقتصر الأمر على اكتشاف المشكلة، بل يمكن أن تكون الطفولة فرصة مبكرة لتطوير عادات تحافظ على صحة القلب، مثل النشاط البدني المنتظم، والتغذية المتوازنة، والحفاظ على وزن صحي، والمتابعة الطبية عند وجود قراءات مرتفعة.
وتوضح الدكتورة أليكسا فريدمان، المؤلفة الرئيسية للدراسة والأستاذة المساعدة في قسم الطب الوقائي بكلية فاينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن، أن نتائج البحث تبرز أهمية مراقبة ضغط الدم لدى الأطفال وتعزيز صحة القلب والأوعية الدموية منذ سن مبكرة.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الدراسة لها حدود، أهمها الاعتماد على قراءة واحدة لضغط الدم في سن السابعة، إلى جانب أن بيانات المشاركين تعود إلى عقود سابقة، وهو ما قد يجعل بعض النتائج أقل قابلية للتعميم على أطفال اليوم.
لذلك، لا يمكن اعتبار قراءة ضغط الدم في سن السابعة تنبؤًا مباشرًا بمدة الحياة، لكنها قد تكون مؤشرًا مبكرًا يساعد الأطباء والأهل على اكتشاف عوامل الخطر والتعامل معها قبل أن تتحول إلى مشكلات أكبر.
فالرقم الذي يظهر على جهاز قياس الضغط في طفولة مبكرة قد لا يخبرنا كم سيعيش الطفل، لكنه قد يخبرنا الكثير عن صحة قلبه في المستقبل.