هل الإضاءة الداخلية في البيت تحمي عيون الأطفال من قصر النظر؟

تشير أبحاث متزايدة إلى وجود علاقة بين نمط الحياة داخل المنزل وزيادة خطر إصابة الأطفال بقصر النظر، إذ أظهرت دراسات سابقة أن قضاء وقت أطول أمام الشاشات والابتعاد عن اللعب في الهواء الطلق قد يرتبط بارتفاع احتمالية الإصابة بهذه المشكلة البصرية.

ويتوقع بعض الخبراء أن يعاني نحو 5 مليارات شخص أي ما يقارب نصف سكان العالم من قصر النظر بحلول عام 2050، وذلك حسب ما ذكره موقع Medical News.

دراسة جديدة تبحث عن دور الإضاءة

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون في مجال علوم الرؤية بمستشفى سينسيناتي للأطفال وجامعة ألاباما في برمنغهام عن إمكانية أن تساعد تحسينات الإضاءة الداخلية في الوقاية من قصر النظر.

الإضاءة الغنية بالضوء النيلي تقلل قصر النظرالإضاءة الغنية بالضوء النيلي تقلل قصر النظر

ونشرت تفاصيل الدراسة إلكترونياً في مجلة "Cell Reports Medicine" وركز الباحثون خلالها على دور نوع محدد من الضوء وهو الضوء النيلي الذي يوجد بكثرة في ضوء الشمس بينما لا يتوافر بالقدر نفسه في إضاءة مصابيح LED البيضاء التقليدية.

ما علاقة الضوء النيلي بقصر النظر؟

ركز الباحثون على أطوال موجية تتراوح بين 419 و446 نانومتراً ووجدوا أنها كانت الأكثر فعالية في الوقاية من قصر النظر خلال التجارب.

وأُجريت التجارب على زبابة الشجر وهي حيوانات تمتلك نظاماً بصرياً وخصائص تشريحية للعين تشبه إلى حد كبير تلك الموجودة لدى الإنسان.

وأظهرت النتائج أن التعرض للضوء النيلي منع الإصابة بقصر النظر في نموذج التجربة، ما دفع الباحثين إلى طرح تساؤلات حول إمكانية الاستفادة من هذا النوع من الإضاءة في البيئات الداخلية.

ما هو قصر النظر؟

يحدث قصر النظر عندما يزداد طول العين من الأمام إلى الخلف بشكل مفرط، ما يؤدي إلى عدم تركيز الصور مباشرة على شبكية العين الموجودة في الجزء الخلفي من العين.

ونتيجة لذلك، تبدو الأجسام البعيدة غير واضحة بينما يمكن رؤية الأشياء القريبة بصورة أفضل.

ويبدأ قصر النظر عادة خلال مرحلة الطفولة وقد يستمر في التطور خلال فترة المراهقة ولا يقتصر تأثيره على الحاجة إلى ارتداء النظارات أو العدسات اللاصقة، إذ يرتبط قصر النظر الشديد بزيادة خطر الإصابة بمضاعفات قد تهدد البصر في مراحل لاحقة من العمر مثل انفصال الشبكية والزرق والتنكس البقعي.

لماذا استخدم الباحثون زبابة الشجر؟

اختار الباحثون زبابة الشجر كنموذج للدراسة بسبب التشابه الكبير بين عيونها وعيون الإنسان من الناحيتين التشريحية والبصرية.

واستخدم الباحثون نظارات صغيرة مخصصة للحيوانات لخلق إشارة قوية تؤدي إلى الإصابة بقصر النظر في إحدى العينين بينما تستخدم العين الأخرى للمقارنة.

كما عرض الفريق الحيوانات لأطوال موجية مختلفة من الضوء مع قياس التغيرات في الطول المحوري للعين والتغيرات الانكسارية بمرور الوقت.

لماذا لم يكن الضوء البنفسجي فعالاً؟

كانت دراسات سابقة على الفئران قد أشارت إلى أن الضوء البنفسجي القريب من طول موجي يبلغ 380 نانومتراً قد يساعد على تخفيف قصر النظر، وأن بروتين OPN5 وهو مستقبل حساس للضوء يلعب دوراً في هذه الاستجابة.

لكن الباحثين وجدوا أن هذا الطول الموجي لم يكن فعالاً في زبابة الشجر لأن عدسة العين تحجب معظم الضوء الذي يقل طوله الموجي عن نحو 400 نانومتر وهو ما ينطبق أيضاً على العين البشرية.

لذلك اتجه الباحثون إلى اختبار أطوال موجية أطول قليلاً يمكنها تحفيز بروتين OPN5 ليجدوا أن الضوء النيلي الذي يتراوح بين 419 و446 نانومتراً كان الأكثر فعالية في الوقاية من قصر النظر في نموذج الدراسة.

هل يمكن أن تكون الإضاءة الداخلية أحد أسباب قصر النظر؟

تدعم نتائج الدراسة فكرة أن الحياة العصرية داخل المباني ربما غيرت بيئة الإضاءة التي تتعرض لها أعين الأطفال.

فعلى عكس ضوء الشمس الذي يحتوي على نطاق واسع من الأطوال الموجية تتميز مصابيح LED البيضاء القياسية بوجود ذروة عند نحو 450 نانومتراً بينما لا توفر كميات كبيرة من الضوء النيلي الذي قد يحفز مسارات حساسة للضوء مرتبطة بعمليات بيولوجية تتجاوز تكوين الصور.

ويرى الباحثون أن الإنسان تطور في بيئة خارجية تحت ضوء الشمس كامل الطيف بينما يؤدي قضاء وقت طويل داخل المباني إلى تقليل التعرض لبعض الأطوال الموجية الموجودة طبيعياً في ضوء الشمس.

هل يمكن أن يحل تحسين الإضاءة محل اللعب في الهواء الطلق؟

يعد تشجيع الأطفال على قضاء وقت أطول في الهواء الطلق من الطرق المعروفة التي قد تساعد في تقليل خطر الإصابة بقصر النظر، إذ تتعرض أعينهم خلال ذلك لضوء الشمس كامل الطيف كما تتغير مسافات التركيز بين الأجسام القريبة والبعيدة.

لكن الباحثين يرون أن العودة إلى نمط حياة يعتمد بصورة أكبر على النشاط خارج المنزل قد تكون صعبة في ظل تزايد الاعتماد على التكنولوجيا والحياة داخل المباني.

ولهذا يطرح تحسين أنظمة الإضاءة الداخلية كخيار آخر يمكن دراسته بهدف جعل البيئة الداخلية أقرب من الناحية البيولوجية إلى البيئة الخارجية.

تجارب سابقة لتحسين الإضاءة

بدأ مستشفى سينسيناتي للأطفال بالفعل في دراسة تأثير الإضاءة على صحة الأطفال، إذ أصبح في عام 2021 أول مستشفى للأطفال يركب نظام إضاءة كامل الطيف قابلاً للبرمجة في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة استناداً إلى أبحاث سابقة حول تأثير الضوء في نمو العين.

ولا تزال الأبحاث مستمرة لتحديد التأثيرات الصحية لهذا النوع من أنظمة الإضاءة.

وفي الوقت نفسه، تتوافر حالياً مصابيح متخصصة تستهدف بعض الاضطرابات المرتبطة بالساعة البيولوجية مثل اضطراب الرحلات الجوية الطويلة إلا أن أنظمة الإضاءة المصممة خصيصاً لتوفير الخصائص التي قد تساعد في الوقاية من قصر النظر ليست متاحة على نطاق واسع حتى الآن.

الخطوة المقبلة: اختبار الإضاءة على الأطفال

رغم أهمية نتائج التجارب على زبابة الشجر، يؤكد الباحثون أن هناك حاجة إلى إجراء دراسات سريرية على الأطفال للتأكد من أن الإضاءة الغنية بالضوء النيلي يمكن أن تقلل بالفعل من تطور قصر النظر.

ومن المقرر أن تتضمن المرحلة التالية من البحث تركيب أنظمة إضاءة محسّنة في مراكز رعاية أطفال مشاركة ثم متابعة الأطفال لفترة من الزمن ومقارنة معدلات تطور قصر النظر لديهم بأطفال موجودين في مراكز تستخدم الإضاءة التقليدية.

الوقاية من قصر النظر لدى الأطفالالوقاية من قصر النظر لدى الأطفال

هل تصبح الإضاءة الغنية بالنيلي وسيلة للوقاية؟

بحسب الباحثين لا تهدف الفكرة إلى جعل الإضاءة الداخلية أكثر سطوعاً وإنما إلى جعلها أكثر توافقاً مع احتياجات الجسم البيولوجية من خلال توفير نطاق أوسع من الأطوال الموجية التي تعرض لها الإنسان خلال تطوره في البيئات الخارجية.

وفي حال أكدت الدراسات السريرية المستقبلية النتائج الحالية فقد تمثل الإضاءة الغنية بالضوء النيلي وسيلة بسيطة وغير دوائية وقابلة للتطبيق على نطاق واسع للمساعدة في تقليل خطر الإصابة بقصر النظر لدى الأطفال.

لكن حتى الآن لا يمكن اعتبار الإضاءة المنزلية الغنية بالنيلي وسيلة مثبتة للوقاية من قصر النظر لدى الأطفال، إذ إن النتائج الحالية تستند إلى تجارب حيوانية ولا تزال فاعليتها وسلامتها بحاجة إلى إثبات من خلال الدراسات السريرية على البشر.