كشفت دراسة سويسرية حديثة عن نمط من المواقف النفسية والاجتماعية أطلق عليه الباحثون اسم "عامل M"، وهو ليس مرضاً نفسياً أو تشخيصاً طبياً، بل مؤشر بحثي يجمع بين مجموعة من المعتقدات والسلوكيات التي ترتبط بتفوق الذكور، وكراهية النساء، والميل إلى العنف، ورفض المساواة بين الجنسين.
وتوصلت الدراسة إلى أن نحو رجل واحد من كل خمسة رجال حصل على درجات مرتفعة في هذا المؤشر، مع ارتفاع النسبة بشكل ملحوظ بين الشباب. ويؤكد الباحثون أن الهدف من النتائج ليس تبرير السلوك العنيف، وإنما فهم العوامل الاجتماعية التي قد تزيد من احتمالية ظهوره، بما يساعد على تطوير استراتيجيات وقائية أكثر فاعلية.

بحسب الدراسة، فإن "عامل M" يمثل بنية بحثية تعكس مجموعة مترابطة من المواقف، من بينها:
الاعتقاد بأن "الرجولة الحقيقية" أصبحت مهددة.
تبني أفكار تفوق الرجال على النساء.
معارضة المساواة بين الجنسين.
تقبل العنف كوسيلة لإثبات القوة أو السيطرة.
ازدراء النساء وبعض الأقليات الجنسية.
وأوضح الباحث دينيس ريبو، عالم الجريمة وعالم الاجتماع في جامعة زيورخ، أن جميع هذه المواقف ترتبط بجذر فكري واحد، وهو الشعور بأن مكانة الرجل في المجتمع تتعرض للتهديد.
اعتمد الباحثون على استطلاع شمل أكثر من 6000 شخص تتراوح أعمارهم بين 16 و64 عامًا في سويسرا، بهدف دراسة تصورات الرجولة والأدوار الجندرية والعلاقات الأسرية وتجارب العنف.
نحو 20% من الرجال سجلوا درجات مرتفعة في "عامل M".
ارتفعت النسبة إلى ما يقارب ثلث الرجال بين 18 و24 عامًا.
أعرب نحو نصف الشباب أصحاب الدرجات المرتفعة عن اعتقادهم بأن "الرجال الحقيقيين أصبحوا مهمشين في المجتمع".
في المقابل، سجلت النساء درجات أقل بكثير في هذا المؤشر، وكانت مواقفهن أكثر ارتباطًا بقيم المساواة بين الجنسين.
تشير الدراسة إلى وجود علاقة واضحة بين ارتفاع درجات "عامل M" وبعض العوامل الاجتماعية والاقتصادية، إذ كانت الدرجات الأعلى أكثر شيوعًا بين الرجال الذين لديهم:
مستوى تعليمي أقل.
دخل منخفض.
مكانة مهنية متدنية.
بينما ارتبط التعليم المرتفع والفرص المهنية الأفضل بانخفاض هذا المؤشر.
ويؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن انخفاض الدخل أو التعليم يؤدي تلقائيًا إلى هذه المواقف، لكنها تكشف عن ارتباطات إحصائية تستحق مزيدًا من الدراسة.
وجدت الدراسة أن الرجال الذين سجلوا درجات مرتفعة في "عامل M" كانوا أكثر ميلًا إلى:
تقبل العنف في تربية الأطفال.
تأييد الأدوار التقليدية الصارمة داخل الأسرة.
اعتبار الرجل هو المعيل الوحيد، بينما تتحمل المرأة معظم مسؤوليات الرعاية.
كما ارتبطت الدرجات المرتفعة بزيادة احتمالية الإبلاغ عن ارتكاب أو التعرض للعنف بين الشريكين، وهو ما دفع الباحثين للتأكيد على أن هذه المواقف تمثل عامل خطر ينبغي التعامل معه مبكرًا.
وأشار الباحثون إلى أن الشخص الذي يتبنى أفكار الهيمنة والسيطرة قد يكون أكثر عرضة للدخول في علاقات تتسم بالعنف، سواء بوصفه مرتكبًا أو ضحية، وهو ما يبرز تعقيد هذه الديناميكيات.

ترجح الدراسة أن الشعور بالإقصاء الاجتماعي، وضعف الاندماج، والبحث عن هوية أو مكانة اجتماعية قد يدفع بعض الشباب إلى تبني مفاهيم جامدة عن الرجولة، خاصة مع انتشار محتوى "المانوسفير" على الإنترنت، الذي يروج لأفكار الهيمنة الذكورية ويرفض المساواة بين الجنسين.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذه العوامل لا تبرر السلوك العنيف، وإنما تساعد على فهم الظروف التي قد تسهم في ظهوره من أجل التدخل الوقائي.
دعت الدراسة إلى تعزيز الحوار المجتمعي حول مفهوم الرجولة، بدءًا من المدارس، مع تشجيع نماذج أكثر مرونة وصحة للرجولة تقوم على الاحترام والمسؤولية والشراكة.
كما شدد الباحثون على أهمية مشاركة الآباء بفاعلية في تربية الأبناء والحياة الأسرية، مؤكدين أن الأبوة الإيجابية ترتبط بنتائج أفضل على المستوى النفسي والاجتماعي للأطفال.
وفي ختام الدراسة، أكد الباحثون أن الرجولة ليست قالبًا واحدًا ثابتًا، بل يمكن التعبير عنها بطرق متعددة تقوم على الاحترام، والمسؤولية، وبناء علاقات صحية بعيدًا عن الهيمنة أو العنف.