في عالم الخصوبة لطالما ارتبطت النصائح الطبية للرجال بفكرة "الامتناع" قبل إجراء التحاليل أو محاولات الإنجاب باعتبار أن ذلك يزيد من عدد الحيوانات المنوية، لكن اتجاه علمي حديث بدأ يطرح تساؤلات حول هذه القاعدة، مشيراً إلى أن الجودة قد تكون أهم من الكمية.
صحة الحيوانات المنوية
تشير أبحاث حديثة إلى أن بقاء الحيوانات المنوية لفترات طويلة داخل الجسم قد يؤدي إلى تدهورها بمرور الوقت فكلما طالت مدة الامتناع عن القذف زادت احتمالات تعرض الحيوانات المنوية لتلف في الحمض النووي وارتفاع الإجهاد التأكسدي ما ينعكس سلباً على قدرتها على الحركة والتخصيب، بعبارة أخرى "التخزين الطويل" قد لا يكون في مصلحة الخصوبة بل قد يجعل الحيوانات المنوية أقل كفاءة.
الحيوانات المنوية كخلايا حية تتأثر بالبيئة المحيطة داخل الجسم، ومع مرور الوقت تتعرض لعوامل تؤدي إلى:
وهذه العوامل مجتمعة قد تقلل فرص حدوث الحمل حتى لو كان عدد الحيوانات المنوية مرتفعاً.
التلقيح الصناعي
في دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة Proceedings of the Royal Society B، أجرى باحثون تحليل شامل لعدد كبير من الدراسات شمل 115 دراسة على البشر ضمت نحو 55 ألف رجل بالإضافة إلى 56 دراسة على أنواع حيوانية مختلفة، وأظهرت النتائج أن الحيوانات المنوية تميل إلى التدهور أثناء بقائها داخل الجهاز التناسلي الذكري بغض النظر عن عمر الرجل، وأكد الباحثون أن التأثيرات السلبية على الحمض النووي والإجهاد التأكسدي كانت "ملحوظة وذات أهمية بيولوجية".
توصي منظمة الصحة العالمية حالياً بأن يمتنع الرجال عن القذف لمدة تتراوح بين يومين إلى سبعة أيام قبل تقديم عينة لتحليل السائل المنوي أو قبل عمليات الإخصاب المساعد مثل أطفال الأنابيب، لكن هذه التوصيات وُضعت أساساً لزيادة عدد الحيوانات المنوية في العينة وليس بالضرورة لتحسين جودتها، ومع ظهور الأدلة الجديدة أصبح من الواضح أن هذه القاعدة قد تحتاج إلى إعادة تقييم.
يرى الباحثون أن المفتاح الحقيقي لزيادة فرص الإنجاب يكمن في تحقيق توازن بين عدد الحيوانات المنوية وجودتها، فالامتناع لفترة قصيرة جدًا قد يؤدي إلى قلة العدد أو عدم نضج الحيوانات المنوية بينما الامتناع الطويل قد يؤدي إلى تدهورها، لذلك قد يكون الحل الأمثل هو فترات اعتدال خاصة للأزواج الذين يحاولون الإنجاب بشكل طبيعي.
في سياق عمليات مثل التلقيح الصناعي أو الحقن المجهري تشير بعض الأدلة إلى أن الحيوانات المنوية "الأحدث"، أي الناتجة بعد فترة امتناع قصيرة، تكون أكثر نشاطاً وأقل تعرضاً لتلف الحمض النووي.
وفي تجربة سريرية شملت 453 زوجاً تمت مقارنة معدلات الحمل بين مجموعتين:
وأظهرت النتائج أن معدل الحمل بلغ 46% في المجموعة الأولى، مقابل 36% في المجموعة الثانية، ما يعزز فكرة أن القذف المتكرر قد يكون مفيدًا في بعض الحالات.
تعكس هذه النتائج تحول مهم في فهم خصوبة الرجال حيث لم يعد التركيز فقط على "الكم" بل أصبح الاهتمام يتجه نحو "الكيف" فالحيوانات المنوية الأحدث قد تكون أكثر قدرة على الإخصاب حتى لو كان عددها أقل، كما تسلط هذه المعطيات الضوء على ضرورة تخصيص التوصيات الطبية لكل حالة بدلاً من الاعتماد على قاعدة عامة واحدة تنطبق على الجميع.