هوس التستوستيرون.. هل الرجولة أصبحت رقماً؟

في السنوات الأخيرة تحوّل هرمون التستوستيرون من عنصر بيولوجي طبيعي إلى ما يشبه "مؤشراً للرجولة" في نظر كثير من الرجال خاصة مع تصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، هذا التحول لم يأتِ من فراغ بل تغذّيه موجة من المحتوى الرقمي الذي يربط بين مستويات الهرمون وبين القوة النجاح والهوية الذكورية.

هرمون التستوستيرون

اختبارات هرمون التستوستيرون

وسائل التواصل تروّج لفكرة "النقص"

تشير دراسة حديثة أُجريت عام 2023 إلى أن منصات مثل إنستغرام وتيك توك تلعب دور متزايد في تشجيع الرجال خاصة الشباب على إجراء اختبارات التستوستيرون والبدء في علاجات هرمونية رغم غياب الأدلة العلمية الكافية على الحاجة لذلك في كثير من الحالات.

الدراسة، التي نُشرت في مجلة Social Science & Medicine، حللت 46 منشوراً واسع الانتشار ووجدت أن معظمها يروج لفكرة أن أعراضًا يومية مثل التعب أو التوتر أو انخفاض الرغبة الجنسية هي علامات على "نقص هرموني" يتطلب علاجاً.

تسويق الخوف بدل التوعية

أحد أخطر ما كشفته الدراسة هو استخدام بعض المؤثرين لأسلوب التخويف، في أحد المقاطع حذر مدرب علاقات على تيك توك متابعيه من "علامة مخيفة" لانخفاض التستوستيرون، مشيراً إلى غياب الانتصاب الصباحي كدليل محتمل على المشكلة، مثل هذه الرسائل تُقدَّم دون أي سند علمي لكنها تُقنع الكثيرين بضرورة الفحص والعلاج.

اللافت أن 85% من هذه المنشورات جاءت من أفراد وليس من مؤسسات صحية، بينما احتوت 67% منها على روابط شراء مباشرة و72% ارتبطت بمصالح مالية مثل بيع مكملات أو استشارات طبية.

كيف يؤثر نقص التستوستيرون على الصحة النفسية للرجال؟كيف يؤثر نقص التستوستيرون على الصحة النفسية للرجال؟

التستوستيرون كحل لأزمة "الرجولة"

تكشف الدراسة عن أربع روايات رئيسية تُستخدم في تسويق التستوستيرون:

  • تصوير انخفاضه كأزمة تهدد الأداء الجنسي
  • ربطه بالشباب والسعي لجسد مثالي
  • التركيز على تحسين الأداء الرياضي
  • تعزيز نموذج ضيق للرجولة يرفض أي سمات “أنثوية”

هذه الرسائل تتقاطع مع ما يُعرف بـ"المانوسفير" وهي مجتمعات رقمية تروّج لفكرة أن الرجولة تُقاس بالهيمنة والقوة الجسدية والأداء الجنسي.

بين الطب والتسويق

بدلاً من التعامل مع التستوستيرون كهرمون له وظائف محددة في الجسم يتم تسويقه اليوم كمنتج لتحسين نمط الحياة، تُشجَّع الفحوصات الدورية والعلاجات المستمرة وغالباً ما تُقدَّم العيادات الخاصة كبديل أسرع وأكثر فعالية من الرعاية الصحية التقليدية، لكن الحقيقة الطبية أكثر تعقيداً إذ لا يُنصح بإجراء فحوصات جماعية للتستوستيرون لدى الرجال الأصحاء لأن انخفاضه قد يكون طبيعياً دون أعراض، كما أن العلاج الهرموني قد يرتبط بمخاطر مثل أمراض القلب و العقم والجلطات ومشكلات الكلى.

إعادة تعريف الذكورة طبياً

تسلّط الدراسة الضوء على ظاهرة "تطبيب الرجولة" حيث يتم اختزال التنوع الطبيعي في أجسام وتجارب الرجال إلى مشكلة هرمونية تحتاج إلى حل سريع، هذا التبسيط لا يؤثر فقط على القرارات الصحية بل يمتد ليشكّل نظرة الرجال لأنفسهم وهويتهم.

ويحذر الباحثون من أن هذه الرسائل قد تعزز القلق وانخفاض تقدير الذات بل وتؤثر سلباً على الصحة النفسية خاصة عندما يُقنع الشاب بأن مشاعر طبيعية مثل التعب أو التوتر تعني وجود خلل خطير في جسده.