لم تعد الهواتف الذكية مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياة المراهقين اليومية. ومع هذا الانتشار الواسع ظهرت أنماط استخدام مفرطة تُعرف بـ"الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية" وهي أنماط بدأت تثير قلق الخبراء بسبب ارتباطها بمشكلات نفسية وسلوكية متزايدة.
تشير الأدلة الحديثة إلى أن الإفراط في استخدام الهواتف الذكية لا يؤثر فقط على النوم أو التركيز/ بل يمتد تأثيره إلى عادات الأكل. فالمراهقون الذين يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات يكونون أكثر عرضة لتطوير سلوكيات غذائية غير صحية مثل الإفراط في تناول الطعام أو فقدان السيطرة عليه، كما يرتبط الاستخدام المكثف بزيادة مشاعر عدم الرضا عن شكل الجسم وهو عامل رئيسي في نشوء اضطرابات الأكل.
الأكل العاطفي
تلعب التطبيقات الاجتماعية دوراً كبيراً في تشكيل نظرة المراهقين لأنفسهم؛ فالتعرض المستمر لصور "مثالية" وغير واقعية يدفعهم لمقارنة أنفسهم بالآخرين، مما يؤدي لشعور دائم بالدونية.
هذا الضغط النفسي قد يتحول إلى سلوكيات غذائية مضطربة مثل الأكل العاطفي أو الامتناع عن الطعام في محاولة للوصول إلى "المظهر المثالي".
غالباً ما يرتبط الاستخدام المفرط للهاتف بزيادة مستويات القلق. وهذه الحالات تؤثر مباشرة على سلوك الأكل؛ حيث يلجأ البعض للطعام كوسيلة للتعامل مع المشاعر السلبية. في المقابل، قد يؤدي الشعور بالذنب بعد الأكل إلى مزيد من التوتر، مما يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها.
دراسة تكشف العلاقة
في دراسة نُشرت عام 2022 في مجلة(PubMed) تم تحليل 35 دراسة شملت أكثر من 52 ألف مشارك، بمتوسط عمر 17 عاماً، وأظهرت النتائج وجود ارتباط واضح بين الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية وزيادة أعراض اضطرابات الأكل.
كما وجدت الدراسة أن الوقت اليومي الذي يقضيه المراهق على الهاتف يرتبط بشكل مباشر بزيادة مشكلات، مثل الإدمان على الطعام وعدم الرضا عن الجسم والأكل غير المنضبط.
التوتر والقلق
حددت الدراسة عدداً من العوامل التي تساهم في هذه العلاقة من بينها صعوبة التحكم في المشاعر وارتفاع مستويات القلق و الاكتئاب. هذه العوامل تجعل المراهق أكثر عرضة لاستخدام الهاتف بشكل مفرط وفي الوقت نفسه تزيد من احتمالية تطوير سلوكيات غذائية غير صحية.
رغم وضوح الارتباط يشير الباحثون إلى أن معظم الدراسات كانت من النوع المقطعي، ما يعني أنها لا تثبت علاقة سببية مباشرة، ومع ذلك فإن تكرار النتائج عبر دول وفئات عمرية مختلفة يعزز من أهمية هذه العلاقة.
كما أن نقص الدراسات على الحالات السريرية يجعل من الصعب تعميم النتائج على جميع الفئات خاصة من يعانون بالفعل من اضطرابات الأكل.
تعكس هذه النتائج واقعاً جديداً يواجهه جيل نشأ في بيئة رقمية بالكامل، فبينما توفر الهواتف الذكية فرصاً للتعلم والتواصل، فإن استخدامها المفرط قد يحمل مخاطر خفية تؤثر على الصحة النفسية والجسدية.
ويؤكد الخبراء أن الوعي بهذه المخاطر هو الخطوة الأولى نحو تقليلها خاصة في مرحلة المراهقة التي تُعد من أكثر الفترات حساسية في تكوين العادات والسلوكيات.