تُعد "أدوية الحموضة"، وعلى رأسها مثبطات مضخة البروتون، من أكثر العلاجات استخداماً حول العالم لعلاج الارتجاع المعدي-المريئي وقرح المعدة. ومع انتشارها الواسع منذ ثمانينيات القرن الماضي، ظهرت مخاوف متكررة حول احتمال ارتباط استخدامها طويل الأمد بزيادة خطر الإصابة بورم المعدة وتحديداً الورم الغدي وهو الشكل الأكثر شيوعاً من أورام المعدة.
علاقة أدوية الحموضة بأورام المعدة
تُصنف أورام المعدة خامس أكثر الأورام شيوعاً عالمياً، ويشكّل الورم الغدي أكثر من 95% من حالاته. وتُعد عدوى Helicobacter pylori العامل الأبرز في نشوء الورم الغدي بالمعدة البعيدة عن الفؤاد، بينما يرتبط الورم الغدي في منطقة الفؤاد غالباً بمرض الارتجاع المعدي-المريئي. هذا التداخل بين المرض والعلاج جعل تقييم دور أدوية الحموضة في نشوء الورم مسألة معقدة علمياً.
من الناحية النظرية، قد يؤدي الاستخدام المزمن لمثبطات مضخة البروتون إلى ارتفاع هرمون "الجاسترين" في الدم؛ ما يحفز خلايا معينة في بطانة المعدة على التكاثر. وقد افترض بعض الباحثين أن هذا التكاثر المفرط قد يمهّد لتغيرات محتملة التسرطن، إلا أن هذه الفرضية ظلت محل نقاش، خاصة مع غياب دليل بشري قوي يؤكد تحوّل هذه التغيرات إلى أورام خبيثة.
في هذا الإطار، جاءت دراسة سكانية واسعة نُشرت عام 2023 في مجلة (BMJ)، واعتمدت على بيانات وطنية شاملة من 5 دول إسكندنافية. لم تبدأ الدراسة من فرضية جاهزة، بل صُممت خصيصاً لتجاوز العيوب المنهجية التي ظهرت في دراسات سابقة، مثل الخلط بين الأعراض المبكرة للأورام واستخدام أدوية الحموضة، أو عدم ضبط العوامل المربكة المرتبطة بعدوى (H. pylori).
شملت الدراسة أكثر من 17 ألف حالة ورم غدي بالمعدة غير الفؤادية، تمت مقارنتها بنحو 172 ألف شخص من عامة السكان. وبعد تحليل الاستخدام طويل الأمد لمثبطات مضخة البروتون واستبعاد السنة السابقة للتشخيص لتجنب التحيز، لم يُلاحظ أي ارتفاع ذي دلالة إحصائية في خطر الإصابة بالورم الغدي بالمعدة. كما أظهرت المقارنة مع أدوية أخرى لعلاج الحموضة، مثل مثبطات مستقبلات الهيستامين-2، نتائج مماثلة.
الحموضة وحرقة المعدة
تشير تحليلات الدراسة إلى أن كثير من النتائج الإيجابية السابقة قد تكون ناتجة عن أخطاء منهجية مثل: إدخال استخدام الدواء قبل التشخيص مباشرة، أو عدم التمييز بين الأنواع المختلفة من أورام المعدة. عند تصحيح هذه العوامل يختفي الارتباط المزعوم بين أدوية الحموضة والورم الغدي ما يسلط الضوء على أهمية التصميم البحثي الدقيق في الدراسات الوبائية.
توفر هذه النتائج قدراً من الطمأنينة للمرضى الذين يحتاجون لاستخدام طويل الأمد لمثبطات مضخة البروتون وفق دواعي طبية واضحة، لكنها في الوقت ذاته لا تنفي الحاجة إلى الاستخدام الرشيد إذ تظل لهذه الأدوية آثار جانبية محتملة أخرى مثل اضطرابات امتصاص الفيتامينات أو زيادة خطر بعض العدوى المعوية ما يستدعي إعادة التقييم الدوري للعلاج.