يلجأ كثيرون إلى التسوق عبر الإنترنت باعتباره وسيلة موفرة للوقت والجهد في ظل تسارع وتيرة الحياة اليومية فبنقرات قليلة يمكن شراء كل شيء تقريباً دون مغادرة المنزل، لكن هذه الراحة الظاهرية قد تحمل في طياتها آثاراً نفسية غير متوقعة إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن بعض أنماط الاستخدام الرقمي قد تكون مرتبطة بزيادة مستويات التوتر بدلاً من تخفيفه.
الإفراط في التسوق يسبب التوتر
لطالما اعتُبر الإنترنت مساحة للهروب من الضغوط سواء عبر تصفح وسائل التواصل الاجتماعي أو مشاهدة المحتوى الترفيهي أو حتى التسوق، غير أن العلاقة بين التوتر والسلوك الرقمي تبدو أكثر تعقيداً مما نتصور: هل نستخدم الإنترنت لأننا متوترون أم أن كثرة استخدامه هي ما يزيد توترنا؟ هذا السؤال بات محوري في أبحاث الصحة النفسية المعاصرة.
التأثير النفسي لاستخدام الإنترنت
تُظهر الملاحظات أن التأثير النفسي لاستخدام الإنترنت يختلف باختلاف نوع النشاط فبينما ارتبطت بعض الأنشطة الرقمية بارتفاع مستويات التوتر بدت أنشطة أخرى أقل ارتباطاً بذلك أو حتى مرتبطة بمستويات توتر أقل لدى بعض المستخدمين، هذا التباين يسلط الضوء على أهمية التمييز بين أشكال الاستخدام المختلفة بدل النظر إلى الإنترنت ككتلة واحدة.
في دراسة من جامعة آلتو في فنلندا نُشرت مطلع العام الحالي 2026 في Journal of Medical Internet Research، قام الباحثون بتتبع الاستخدام الفعلي للإنترنت لدى نحو 1500 بالغ على مدار سبعة أشهر، واعتمدت الدراسة على برنامج تتبع مثبت على أجهزة المشاركين ما أتاح تسجيل ما يقرب من 47 مليون زيارة لمواقع الويب و14 مليون استخدام للتطبيقات ثم ربط هذه البيانات بمستويات التوتر التي أبلغ عنها المشاركون أنفسهم.
أظهرت النتائج أن التسوق عبر الإنترنت كان أكثر ارتباطاً بارتفاع مستويات التوتر مقارنة بأنشطة رقمية أخرى مثل قراءة الأخبار أو تصفح البريد الإلكتروني، كما سُجلت مستويات توتر أعلى لدى مستخدمي منصات الفيديو وخدمات البث والألعاب الإلكترونية.
وبالنسبة للأشخاص الذين يعانون أصلاً من توتر مرتفع كان الوقت الذي يقضونه على وسائل التواصل الاجتماعي مرتبط بالتوتر بمعدل أعلى بمرتين مقارنة بالوقت الذي يقضونه في الألعاب.
على نحو غير متوقع أبلغ المشاركون الذين قضوا وقت أطول في قراءة الأخبار أو البريد الإلكتروني عن مستويات توتر أقل، ويشير الباحثون إلى أن القياس اقتصر على مدة التصفح دون تحليل مضمون الأخبار نفسه، كما لوحظ أن الأشخاص الأكثر توتر يميلون إلى تجنب مواقع الأخبار وهو ما يتوافق مع أبحاث سابقة تشير إلى أن التوتر قد يقلل من استهلاك الأخبار.
كشفت البيانات عن فروق واضحة بين الفئات المختلفة فقد أبلغت النساء عن مستويات توتر أعلى من الرجال بينما انخفضت مستويات التوتر نسبياً مع التقدم في العمر وارتفاع الدخل، ويرجح الباحثون أن بعض أشكال المحتوى مثل المحتوى الإباحي قد تعمل كمخفف مؤقت للتوتر أو الملل بسبب استهلاكها في جرعات قصيرة.
تعكس هذه النتائج الحاجة إلى فهم أعمق للعلاقة بين السلوك الرقمي والصحة النفسية. فبدل فرض قيود عامة أو حظر شامل على بعض الأنشطة، يشدد الباحثون على أهمية تطوير أدوات رقمية تساعد المستخدمين على تنظيم وقتهم على الإنترنت والحفاظ على توازن صحي بما يدعم الرفاه النفسي دون حرمان من مصادر الدعم الممكنة.