تمثل زراعة القوقعة ثورة حقيقية في علاج فقدان السمع الشديد لدى الأطفال؛ إذ تفتح الباب أمام اكتساب اللغة المنطوقة والتواصل مع العالم، لكن رغم هذا التقدم لا يستفيد جميع الأطفال بالدرجة نفسها؛ إذ يحقق بعضهم تحسناً لغوياً كبيراً، بينما يواجه آخرون صعوبات مستمرة ما يضع الأسر والأطباء أمام تساؤل محوري: هل يمكن التنبؤ مسبقاً بمسار تطور الكلام بعد الزراعة؟
تفاوت نتائج زراعة القوقعة
يعتمد الأطباء تقليدياً على عوامل مثل عمر الطفل، ووقت الزراعة أو بقايا السمع قبل العملية لتوقع النتائج إلا أن هذه المؤشرات أثبتت محدوديتها، فالأطفال الذين يخضعون للجراحة في العمر نفسه قد يحققون نتائج لغوية متباينة للغاية ما يشير إلى وجود عوامل أعمق تتعلق بتطور الدماغ نفسه.
خلال السنوات الأخيرة اتجه الباحثون إلى الاستعانة بصور الرنين المغناطيسي للدماغ قبل زراعة القوقعة باعتبارها مرآة للتطور العصبي المرتبط بالسمع واللغة، وقد أظهرت محاولات سابقة باستخدام تقنيات التعلم الآلي التقليدية قدرة محدودة على التنبؤ لكنها ظلت غير كافية للتعامل مع بيانات معقدة قادمة من مراكز مختلفة وثقافات ولغات متعددة.
في هذا السياق، لجأ العلماء إلى نماذج أكثر تطوراً من الذكاء الاصطناعي وتحديداً التعلم العميق بالنقل المعرفي (Deep Transfer Learning). هذه النماذج لا تتعلم من البيانات الطبية فقط، بل تستفيد من خبرات سابقة اكتسبتها من قواعد بيانات ضخمة، ما يمنحها قدرة أعلى على استخراج أنماط دقيقة من صور الدماغ.
فحص الدماغ قبل زراعة القوقعة
في دراسة متعددة المراكز نُشرت عام 2025 في مجلة "JAMA Network Open"، شملت 278 طفلاً خضعوا لزراعة القوقعة في الولايات المتحدة وأستراليا وهونغ كونغ وبـ3 لغات مختلفة هي الإنجليزية والإسبانية والكانتونية، اعتمد الباحثون على صور رنين مغناطيسي أُخذت قبل الجراحة، إضافة إلى بيانات سريرية مثل العمر والجنس وبقايا السمع.
أظهر نموذج ذكاء اصطناعي يعتمد على آلية "الانتباه الثنائي" قدرة لافتة على التنبؤ بما إذا كان الطفل سيحقق تحسناً لغوياً مرتفعاً أو منخفضاً بعد الزراعة، وبلغت دقة النموذج أكثر من 92% مع حساسية ونوعية أعلى بكثير، مقارنة بأساليب التعلم الآلي التقليدية التي بالكاد تجاوز أداؤها مستوى التوقع العشوائي في بعض الحالات.
يرجع هذا التفوق إلى قدرة التعلم العميق على التعامل مع بيانات غير متجانسة، واستخلاص تمثيلات عصبية دقيقة من صور الدماغ، دون الحاجة إلى تبسيط مفرط قد يفقد البيانات معناها، كما أن دمج المعلومات السريرية مع الصور العصبية منح النموذج رؤية أشمل لمسار تطور اللغة.
يسمح هذا النوع من التنبؤ المبكر بتقديم استشارات أكثر دقة للأهل قبل الجراحة، ووضع خطط علاجية مخصصة للأطفال الأكثر عرضة لتحقيق تحسن لغوي محدود، كما يفتح المجال لتكثيف التدخلات السلوكية واللغوية في وقت مبكر بدل انتظار ظهور المشكلات بعد سنوات.