قد يبدو الضحك أو الشعور بالسعادة أمراً بعيداً تماماً عن التسبب في ضعف العضلات لكن بالنسبة لبعض المصابين بمرض النوم القهري يمكن للمشاعر الإيجابية القوية مثل الضحك أو الإثارة أو الفرح أن تحفز نوبة مفاجئة من فقدان قوة العضلات تعرف باسم الكاتابلكسي.
والكاتابلكسي هي حالة يفقد فيها الشخص قوة عضلاته بشكل مفاجئ ومؤقت مع بقائه واعياً أثناء النوبة وقد تكون النوبة بسيطة مثل ارتخاء عضلات الوجه أو الفك أو أكثر شدة فتؤدي إلى فقدان السيطرة على العضلات.
بحسب ما ذكره موقع Medical Xpress ، يعاني المصابون بالنوم القهري من خلل في تنظيم دورة النوم واليقظة وغالباً ما يرتبط المرض بفقدان إشارات الأوركسين وهو ناقل عصبي يساعد على الحفاظ على اليقظة وتنظيم حالات النوم والاستيقاظ.
مرض النوم القهري
ومن السمات المميزة للنوم القهري حدوث نوبات الكاتابلكسي والتي غالباً ما تظهر استجابة لمشاعر إيجابية قوية مثل الضحك أو الإثارة أو التفاعل الاجتماعي الممتع.
ورغم ملاحظة هذا الارتباط منذ سنوات، لاحظ المرضى والأطباء أن هذه النوبات تحدث بشكل متكرر أثناء التفاعلات الاجتماعية لكن الآلية العصبية التي تجعل الضحك والمشاعر الإيجابية محفزات قوية للكاتابلكسي لم تكن مفهومة بشكل كامل.
أجرى باحثون في كلية الطب بجامعة هارفارد دراسة حديثة بهدف فهم السبب الذي يجعل التفاعلات الاجتماعية الممتعة قادرة على تحفيز نوبات الكاتابلكسي لدى المصابين بالنوم القهري.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Neuroscience وتشير إلى أن الأوكسيتوسين وهو هرمون وببتيد عصبي يرتبط بالسلوك الاجتماعي والترابط والتفاعلات المبهجة قد يكون له دور في تحفيز هذه النوبات خلال اللحظات العاطفية الإيجابية.
وقالت كاري إي. ماهوني المؤلفة الأولى للدراسة، إن المصابين بالنوم القهري أفادوا لسنوات بأن نوبات الكاتابلكسي تحدث غالباً أثناء التفاعلات الاجتماعية وخصوصاً عند الضحك أو قضاء الوقت مع الأصدقاء والعائلة.
بدأ الباحثون تجاربهم باستخدام نموذج فأر معروف لدراسة النوم القهري وتحديداً فئران تفتقر إلى الأوركسين وهو ببتيد تنتجه الخلايا العصبية في منطقة ما تحت المهاد وله دور مهم في تنظيم اليقظة والنوم.
وتظهر لدى هذه الفئران سلوكيات وأعراض تشبه بعض الأعراض التي يعاني منها الأشخاص المصابون بالنوم القهري.
راقب الباحثون الفئران أثناء تفاعلها مع بعضها كما استخدموا مركبات تؤثر في مستقبلات الأوكسيتوسين داخل الدماغ لمعرفة ما إذا كان هذا الهرمون يشارك في حدوث نوبات فقدان التوتر العضلي التي تحفزها التفاعلات الاجتماعية.
أظهرت التجارب أن تنشيط مستقبلات الأوكسيتوسين أدى إلى زيادة نوبات الكاتابلكسي لدى الفئران المصابة بالنوم القهري.
وفي المقابل، عندما حجب الباحثون مستقبلات الأوكسيتوسين تراجعت الزيادة في النوبات التي أحدثها تنشيط هذا النظام.
كما لاحظ الباحثون ارتفاع نشاط إشارات الأوكسيتوسين ونشاط الخلايا العصبية التي تحمل مستقبلاته في منطقة معينة من الدماغ قبل حدوث نوبات الكاتابلكسي التي حفزتها التفاعلات الاجتماعية.
بعد ذلك، تلاعب الباحثون بنشاط الخلايا العصبية التي تنتج الأوكسيتوسين وكذلك الخلايا العصبية التي تستجيب له، بهدف تحديد دورها في الدوائر العصبية المرتبطة بنوبات الكاتابلكسي.
وأظهرت النتائج أن الأوكسيتوسين يساهم في نوبات فقدان التوتر العضلي التي تحفزها التفاعلات الاجتماعية وأن الدائرة العصبية المرتبطة بهذه النوبات تتداخل مع الدائرة التي ترتبط بنوبات الكاتابلكسي الناتجة عن المكافأة.
ويشير ذلك إلى أن التجارب العاطفية الإيجابية المختلفة قد تتجمع في شبكة عصبية مشتركة يمكن أن تؤدي في النهاية إلى حدوث نوبة فقدان التوتر العضلي المفاجئ.
تشير النتائج إلى أن المشاعر الإيجابية مثل الضحك والتفاعل الاجتماعي قد تنشط نظام الأوكسيتوسين في الدماغ، ما يؤدي إلى تنشيط دوائر عصبية تؤثر في التحكم بقوة العضلات وبالتالي قد تحفز نوبات الكاتابلكسي لدى الفئران المصابة بالنوم القهري.
وبذلك قد يكون الأوكسيتوسين أحد العناصر التي تفسر لماذا يمكن لموقف اجتماعي ممتع أو لحظة من الضحك أن تتحول لدى بعض المصابين بالنوم القهري إلى نوبة مؤقتة من ضعف العضلات.
لا تعني نتائج الدراسة أن الأوكسيتوسين وحده يسبب نوبات الكاتابلكسي وإنما تشير إلى أنه قد يكون جزءاً من الآلية العصبية التي تربط المشاعر الإيجابية والتفاعلات الاجتماعية بحدوث هذه النوبات.
كما أن الباحثين لم يحددوا بعد جميع الخطوات التي تحدث داخل الدماغ قبل فقدان التوتر العضلي.
أجريت الدراسة باستخدام نموذج فأر مصاب بالنوم القهري ولذلك لا يمكن التأكد حتى الآن من أن الآلية نفسها تحدث لدى الإنسان بالطريقة ذاتها.
ويحتاج الباحثون إلى إجراء المزيد من الدراسات لمعرفة ما إذا كانت إشارات الأوكسيتوسين والدوائر العصبية التي حددتها الدراسة تؤدي الدور نفسه لدى الأشخاص المصابين بالنوم القهري.
قد تفتح هذه النتائج الباب أمام فهم أفضل للسبب الذي يجعل الضحك والروابط الاجتماعية والمشاعر الإيجابية محفزات لنوبات الكاتابلكسي لدى بعض مرضى النوم القهري.
وفي المستقبل يمكن أن يساعد تحديد الدوائر العصبية المسؤولة عن هذه الاستجابة في الوصول إلى أهداف علاجية جديدة للتعامل مع نوبات فقدان التوتر العضلي التي تحدث أثناء التفاعلات الاجتماعية.
ويخطط الباحثون لدراسة الخلايا العصبية الحساسة للأوكسيتوسين داخل اللوزة الدماغية المركزية بشكل أكثر تفصيلاً من خلال دراسة خصائص التعبير الجيني الخاصة بها.
كما يريد الفريق معرفة ما إذا كان الأوكسيتوسين يعزز نوبات الكاتابلكسي من خلال تقليل التوتر أو القلق بما يجعل التجارب الإيجابية عاطفياً أكثر قدرة على تحفيز هذه النوبات.
تقليل التوتر و القلق
تساعد الدراسة في تقديم تفسير محتمل لظاهرة ظل المرضى يتحدثون عنها منذ سنوات وهي أن المواقف التي يفترض أن تكون ممتعة مثل الضحك أو قضاء الوقت مع الأصدقاء والعائلة قد تحفز أحياناً فقدان السيطرة على العضلات.
ومع ذلك، لا تزال هذه النتائج أولية خاصة أنها جاءت من تجارب على الفئران ولذلك فإن فهم العلاقة بين المشاعر الاجتماعية والأوكسيتوسين والكاتابلكسي لدى البشر يحتاج إلى مزيد من البحث.
ويأمل الباحثون أن تساعد الدراسات المقبلة في فهم كيفية تأثير الإشارات العاطفية والاجتماعية في الدماغ لدى المصابين بالنوم القهري وربما تمهد الطريق أمام تطوير طرق جديدة للتعامل مع نوبات الكاتابلكسي.