علاج جيني يعيد السمع خلال أسابيع.. أمل جديد لمرضى الصمم

في إنجاز علمي قد يغير حياة آلاف المرضى حول العالم، نجح فريق من العلماء في تطوير علاج جيني جديد يمنح الأشخاص الذين ولدوا صماً فرصة السمع لأول مرة وذلك من خلال حقنة واحدة فقط تعطى داخل الأذن.

وأظهرت نتائج تجربة سريرية صغيرة، أن هذا العلاج المبتكر نجح في تحسين السمع لدى جميع المشاركين، ما يفتح الباب أمام تحول جذري في علاج أحد أكثر أنواع الصمم الوراثي شيوعاً، وذلك حسب ما ذكره موقع NDTV.

تجربة واعدة بنتائج لافتة

أجريت الدراسة بواسطة باحثين من معهد كارولينسكا بالتعاون مع عدد من المستشفيات والجامعات في الصين ونشرت نتائجها في مجلة Nature Medicine العلمية المرموقة.

القدرة على السمعالقدرة على السمع

وشملت التجربة عشرة مرضى تتراوح أعمارهم بين عام واحد و24 عاماً جميعهم يعانون من صمم وراثي، وبعد تلقيهم العلاج أظهروا تحسناً ملحوظاً في القدرة على السمع، حيث بدأ بعضهم الاستجابة للأصوات خلال شهر واحد فقط من تلقي الحقنة.

كيف يعمل العلاج الجيني؟

يستهدف هذا العلاج نوع محدد من الصمم الوراثي الناتج عن خلل في جين يعرف باسم "OTOF" وهو الجين المسؤول عن إنتاج بروتين "أوتوفيرلين" الضروري لنقل الإشارات الصوتية من الأذن الداخلية إلى الدماغ.

وفي الحالات الطبيعية، يعمل هذا البروتين كحلقة وصل أساسية تمكن الدماغ من تفسير الأصوات لكن عند وجود طفرة في جين OTOF، يتعطل إنتاج هذا البروتين، ما يؤدي إلى فقدان السمع بشكل كامل أو شبه كامل منذ الولادة أو في سن مبكرة.

وللتغلب على هذه المشكلة، استخدم الباحثون فيروس اصطناعي من نوع "AAV" كناقل دقيق، حيث تم تحميله بنسخة سليمة من الجين وحقنه مباشرة داخل الأذن الداخلية عبر القوقعة ويقوم هذا الفيروس بإيصال الجين إلى الخلايا المستهدفة، ما يسمح لها بإنتاج البروتين الطبيعي وإعادة تشغيل مسار نقل الصوت إلى الدماغ.

تحسن سريع وملموس

أظهرت النتائج تحسناً كبيراً في القدرة السمعية لدى المرضى، حيث انخفض مستوى الصوت الذي يمكنهم سماعه من نحو 106 ديسيبل وهو ما يعادل صوت منشار كهربائي صاخب إلى حوالي 52 ديسيبل أي ما يقارب مستوى المحادثة العادية.

وهذا التحسن يعني انتقال المرضى من عدم القدرة على سماع أي صوت تقريباً إلى التفاعل مع الأصوات اليومية والكلام بشكل واضح.

وبدأ معظم المشاركين ملاحظة تحسن خلال شهر واحد، بينما استقرت النتائج بشكل أكبر بعد مرور ستة أشهر، ومن أبرز الحالات طفلة تبلغ من العمر سبع سنوات تمكنت من إجراء محادثات طبيعية مع والدتها بعد أربعة أشهر فقط من تلقي العلاج.

كما أظهرت النتائج أن الأطفال الأصغر سناً خاصة بين 5 و8 سنوات، حققوا أفضل استجابة رغم تسجيل تحسن ملحوظ أيضاً لدى المراهقين والبالغين.

تصريحات الباحثين

قال ماولي دوان أحد الباحثين المشاركين في الدراسة: "هذه خطوة هائلة إلى الأمام في العلاج الجيني للصمم، وقد تحدث تغييراً جذرياً في حياة الأطفال والبالغين".

وأضاف أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها اختبار هذا النوع من العلاج على فئات عمرية مختلفة بما في ذلك المراهقون والبالغون، مؤكداً أن النتائج الأولية تبشر بإمكانية تحسين جودة الحياة بشكل كبير.

مستوى الأمان والآثار الجانبية

من ناحية السلامة، أظهرت الدراسة أن العلاج كان آمناً وجيد التحمل خلال فترة المتابعة التي تراوحت بين 6 و12 شهراً.

وكان الأثر الجانبي الأكثر شيوعاً هو انخفاض مؤقت في عدد خلايا الدم البيضاء (العدلات) دون أن يؤدي ذلك إلى مضاعفات خطيرة أو الحاجة إلى إيقاف العلاج، كما لم يتم تسجيل أي آثار جانبية خطيرة مرتبطة بالعلاج الجيني نفسه.

ورغم هذه النتائج الإيجابية، يؤكد الباحثون أن الدراسة لا تزال في مراحلها المبكرة وأن هناك حاجة لمتابعة المرضى لفترات أطول للتأكد من استمرارية التحسن على المدى البعيد.

أنواع الصمم الوراثيأنواع الصمم الوراثي

خطوة أولى نحو علاجات أوسع

يشير العلماء إلى أن نجاح هذا العلاج مع جين OTOF يمثل مجرد بداية، حيث يوجد العديد من الجينات الأخرى المرتبطة بالصمم الوراثي مثل GJB2 وTMC1 والتي تعد أكثر شيوعاً ولكن علاجها أكثر تعقيداً.

ورغم ذلك، أظهرت الدراسات التي أجريت على الحيوانات نتائج واعدة ويعمل الباحثون حالياً على تطوير علاجات جينية مماثلة تستهدف هذه الجينات.

وأكد الباحثون أن التقدم في هذا المجال يمنح الأمل في أن يصبح علاج مختلف أنواع الصمم الوراثي ممكناً في المستقبل، ما قد يغير حياة ملايين الأشخاص حول العالم.