تُعد اللحظات الأولى بعد الولادة من أهم الفترات في حياة الإنسان حيث يبدأ المولود رحلته خارج الرحم، وفي هذه اللحظة يوصي الأطباء اليوم بإجراء بسيط لكنه بالغ الأهمية: وضع الطفل مباشرة على جلد أمه، هذه الممارسة التي تُعرف بـ"التلامس الجلدي المباشر" لم تعد مجرد خيار بل أصبحت ضرورة صحية مدعومة بالأدلة.
الولادة الطبيعية
يعني هذا الإجراء وضع المولود عاري على صدر أمه مباشرة بعد الولادة دون فاصل، ورغم بساطته إلا أنه يلعب دور أساسي في مساعدة الطفل على التكيف مع العالم الخارجي، فهو يمنحه الدفء ويقلل من التوتر والبكاء كما يساعد في استقرار التنفس ومعدل ضربات القلب.
أظهرت الأبحاث أن الأطفال الذين يحصلون على هذا التلامس خلال الساعة الأولى من الولادة يتمتعون بمزايا صحية متعددة، من أبرز هذه الفوائد تنظيم درجة حرارة الجسم و مستوى السكر في الدم إلى جانب تحسين وظائف القلب والتنفس.
كما أن هذا التواصل المبكر يخلق شعور بالأمان لدى المولود بعد انتقاله المفاجئ من بيئة الرحم الهادئة إلى العالم الخارجي المليء بالمؤثرات.
الرضاعة الطبيعية
من أهم النتائج المرتبطة بالتلامس الجلدي هو تعزيز الرضاعة الطبيعية، فالأطفال الذين يوضعون على صدر أمهاتهم فور الولادة يكونون أكثر استعدادًا للرضاعة ويستمرون فيها لفترة أطول.
تشير البيانات إلى أن نحو 75% من هؤلاء الأطفال يستمرون في الرضاعة الطبيعية بشكل حصري خلال الشهر الأول مقارنة بـ55% فقط من الأطفال الذين لم يحصلوا على هذا التلامس المبكر، وهو ما يعكس تأثير كبير على صحة الطفل والأم على حد سواء.
في تحديث علمي نُشر عام 2023 في مجلة Cochrane تم تحليل 69 دراسة شملت أكثر من 7000 أم وطفل، وأكدت النتائج أن التلامس الجلدي المباشر خلال الساعة الأولى من الولادة يعزز بشكل واضح فرص الرضاعة الطبيعية ويحسن المؤشرات الحيوية لدى المواليد.
كما أشار التحديث إلى أن هذه النتائج دعمت أكثر من 20 توصية دولية من بينها إرشادات صادرة عن World Health Organization (WHO)، التي تعتبر هذه الممارسة معيار أساسي للرعاية بعد الولادة.
رغم هذه الفوائد كان من الشائع في الماضي فصل المولود عن أمه مباشرة بعد الولادة لإجراء فحوصات روتينية مثل الوزن والاستحمام، هذا الإجراء رغم نواياه الطبية كان يحرم الطفل من فرصة التلامس المبكر، حتى في بعض الأنظمة الصحية المتقدمة لا تزال هذه الممارسة مستمرة رغم بساطة تطبيق البديل الأكثر فائدة.
مع تراكم الأدلة العلمية بدأ المجتمع الطبي يعيد النظر في هذه الممارسات التقليدية، فاليوم يرى الخبراء أن حرمان الطفل من التلامس الجلدي لم يعد مبرر خاصة مع ثبوت فوائده، بل إن بعض الباحثين يشيرون إلى أن إجراء دراسات تقارن بين الأطفال الذين يحصلون على هذا التلامس وآخرين لا يحصلون عليه لم يعد أمر أخلاقي نظراً لما أثبتته الأدلة من تأثير إيجابي واضح.
لا يقتصر تأثير التلامس الجلدي على الجانب العاطفي فقط بل يمتد إلى تحسين فرص بقاء الأطفال خاصة في الحالات ذات الوزن المنخفض، فقد أظهرت أبحاث أخرى أن هذه الممارسة قد تكون الفارق بين الحياة والموت في البيئات محدودة الموارد، كما أنها تعزز الترابط بين الأم وطفلها منذ اللحظة الأولى ما ينعكس إيجابياً على الصحة النفسية لكليهما.
رغم التوصيات العالمية لا يزال تطبيق هذه الممارسة غير شائع بالشكل الكافي في بعض الدول، ويرى الباحثون أن المرحلة القادمة يجب أن تركز على تحسين جودة التطبيق وتعميمه بدلاً من إثبات فعاليته التي أصبحت مؤكدة بالفعل، بهذا يتحول هذا الإجراء البسيط إلى خطوة أساسية نحو بداية صحية وآمنة لكل مولود جديد.