يعد استخدام العطر جزء من الروتين اليومي لكثير من الناس وغالباً ما تُرش بضع قطرات على الرقبة أو المعصمين للحصول على رائحة تدوم لفترة أطول، لكن في الآونة الأخيرة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تحذيرات تشير إلى أن رش العطر على الرقبة قد يكون ضاراً بل وقد يؤثر في الغدة الدرقية.
هذا الادعاء أثار تساؤلات عديدة حول ما إذا كانت بعض مكونات العطور يمكن أن تؤثر فعلاً في الهرمونات خاصة أن الغدة الدرقية تقع في منطقة الرقبة، غير أن الأطباء يؤكدون أن الأمر أكثر تعقيداً مما يُتداول عبر الإنترنت وأن كثير من هذه المخاوف لا يستند إلى أدلة علمية مباشرة.
اضطرابات الغدة الدرقية
يرتبط الجدل حول العطور غالباً بوجود ما يُعرف باسم المواد المعطِّلة للغدد الصماء وهي مواد كيميائية يمكن أن تتداخل مع عمل الهرمونات في الجسم.
وتوجد بعض هذه المواد في منتجات العناية الشخصية بما في ذلك العطور مثل مركبات الفثالات المستخدمة لتثبيت الرائحة لفترة أطول، وتشير بعض الدراسات إلى أن التعرض لمستويات مرتفعة من هذه المواد قد يؤثر في توازن بعض الهرمونات بما فيها هرمونات الغدة الدرقية.
وبسبب وجود الغدة الدرقية في مقدمة الرقبة اعتقد بعض الناس أن رش العطر في هذه المنطقة قد يسمح للمواد الكيميائية بالوصول مباشرة إلى الغدة والتأثير فيها.
يشرح أطباء الغدد الصماء أن هذه الفكرة غير دقيقة من الناحية البيولوجية، فعندما يُرش العطر على الجلد تمتصه الطبقات السطحية للبشرة أولاً ثم تنتقل بعض مكوناته إلى الأوعية الدموية الصغيرة الموجودة تحت الجلد.
وبحسب خبراء الغدد الصماء فإن هذه المواد تدخل إلى مجرى الدم قبل أن تصل إلى أي عضو في الجسم بما في ذلك الغدة الدرقية، وخلال هذه العملية يتم تخفيف تركيزها بشكل كبير داخل الدم ما يجعل وصولها إلى الغدة الدرقية بتركيز مؤثر أمراً غير مرجح، ولهذا السبب يؤكد الأطباء أنه لا يوجد دليل علمي يثبت أن رش العطر على الرقبة يؤثر مباشرة في وظيفة الغدة الدرقية.
تأثير العطور على هرمونات الجسم
تشير بعض الأبحاث إلى وجود علاقة محتملة بين التعرض لبعض المواد الكيميائية في البيئة واضطرابات الغدد الصماء، ففي دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة Endocrine Reviews ناقش الباحثون تأثير المواد المعطلة للغدد الصماء مثل الفثالات في النظام الهرموني.
وأشارت الدراسة إلى أن الأشخاص الذين لديهم مستويات مرتفعة من بعض هذه المركبات في الدم قد تظهر لديهم تغيرات في بعض الهرمونات بما في ذلك هرمون T3 المرتبط بوظيفة الغدة الدرقية.
لكن الباحثين أوضحوا أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة أن استخدام العطور بحد ذاته يسبب اضطرابات في الغدة الدرقية إذ إن التعرض لهذه المواد قد يحدث من مصادر عديدة مثل تغليف الطعام والمياه والبيئة المحيطة.
على الرغم من عدم وجود دليل مباشر على أن رش العطر على الرقبة يضر بالغدة الدرقية فإن بعض الخبراء ينصحون عموماً بتقليل التعرض للمواد الكيميائية التي قد تؤثر في الهرمونات.
وينصح الأطباء بقراءة مكونات منتجات العناية الشخصية وتجنب المنتجات التي تحتوي على الفثالات أو البارابين قدر الإمكان وهي مواد حافظة تُصنف ضمن المواد المعطلة للغدد الصماء.
كما يوصي الخبراء بتوخي مزيد من الحذر خلال فترة الحمل والرضاعة إذ يزداد نشاط الغدة الدرقية خلال الحمل بنحو 50% ما قد يجعل الجسم أكثر حساسية لبعض المواد الكيميائية.
على الرغم من أن رش العطر على الرقبة لا يُعد خطر مباشر على الغدة الدرقية فإن بعض الأطباء يفضلون وضع العطر في مناطق أبعد قليلاً عن الوجه.
ويرجع ذلك إلى أن رش العطر بالقرب من الأنف والفم قد يؤدي إلى استنشاق بعض المكونات الكيميائية وهو ما قد يسبب تهيجًا لدى بعض الأشخاص خاصة من يعانون الربو أو الحساسية التنفسية.
ولهذا ينصح بعض الخبراء برش العطر في الهواء ثم المرور عبر الرذاذ الخفيف بدلاً من وضعه مباشرة على الرقبة أو الوجه وهي طريقة قد تقلل من استنشاق المكونات العطرية.