كشفت دراسة حديثة عن آلية بيولوجية قد تساعد في تفسير كيف يمكن للتعرض لضغوط شديدة خلال الطفولة أن يترك آثارًا طويلة الأمد في الدماغ، ويجعل الشخص أكثر حساسية للتوتر والقلق في مراحل لاحقة من حياته.
لطالما ارتبطت تجارب الطفولة الصعبة بزيادة مخاطر بعض الاضطرابات النفسية مستقبلًا، لكن السؤال ظل: كيف يمكن لتجربة حدثت في سنوات مبكرة أن تترك أثرًا يستمر لعقود؟
الدراسة، التي نُشرت في مجلة Neuron أشارت إلى أن الإجابة قد تكون مرتبطة بطريقة تنظيم خلايا الدماغ للحمض النووي، وليس بتغيير الجينات نفسها.

ركز الباحثون على منطقة في الدماغ تُعرف باسم السقيف البطني، وتحتوي على خلايا عصبية تنتج الدوبامين، وهو ناقل عصبي له دور في معالجة المكافأة والتجارب المهمة.
ووجد الباحثون في الفئران أن التعرض للإجهاد في مرحلة مبكرة من الحياة ارتبط بزيادة نشاط إنزيم يُسمى SETD7 داخل هذه الخلايا العصبية.
هذا الإنزيم يؤثر في طريقة تغليف الحمض النووي، من خلال إضافة علامة كيميائية تُعرف باسم H3K4me1.
يمكن تشبيه الحمض النووي بكتاب ضخم داخل الخلية، بينما تعمل بروتينات تُسمى الهيستونات كطريقة لتنظيم مدى سهولة الوصول إلى صفحات هذا الكتاب.
عندما يصبح تغليف الحمض النووي أكثر انفتاحًا، تصبح بعض الجينات أسهل في التنشيط.
ووفقًا للدراسة، أدى ارتفاع نشاط SETD7 بعد التعرض المبكر للإجهاد إلى جعل بعض الجينات المرتبطة بالاستجابة للضغط النفسي أكثر قابلية للتنشيط، ما قد يهيئ الدماغ للتفاعل بشكل أقوى مع الضغوط المستقبلية.
عندما زاد الباحثون مستويات SETD7 بشكل مصطنع لدى فئران صغيرة لم تتعرض للإجهاد، ظهرت لديها لاحقًا تغيرات في تنظيم الحمض النووي، وأصبحت أكثر حساسية للضغط النفسي وأظهرت سلوكًا أكثر قلقًا.
لكن عندما خفّض الباحثون نشاط SETD7 لدى الفئران التي تعرضت للإجهاد في مراحل مبكرة، لم تظهر لديها الدرجة نفسها من فرط الحساسية للضغط في مرحلة البلوغ.
وهذا يشير إلى أن SETD7 قد يكون جزءًا من الآلية التي تربط بين الإجهاد المبكر والتغيرات طويلة الأمد في استجابة الدماغ للضغط.

لا.
وهذه نقطة مهمة عند تناول نتائج الدراسة.
الدراسة أُجريت على الفئران، ولذلك لا يمكن اعتبار نتائجها دليلًا على أن الصدمات تترك «ندبة» لا يمكن تغييرها لدى البشر.
لكنها تقدم للباحثين تفسيرًا بيولوجيًا محتملًا لكيفية استمرار تأثير الإجهاد المبكر، وتفتح الباب أمام دراسة تدخلات مستقبلية تستهدف هذه الآليات.
كما يشير الباحثون إلى أن توفير الرعاية الداعمة والعلاج والموارد الاجتماعية للأطفال الذين يمرون بظروف صعبة قد يساعد في تعزيز المرونة وحماية الدماغ النامي.
قد لا تنتهي آثار التجارب الصعبة بمجرد انتهاء الحدث نفسه؛ فالدماغ النامي يتأثر بما يمر به، وقد تُسهم هذه التجارب في تغيير طريقة استجابته للضغط مستقبلًا.
والدراسة الجديدة لا تقدم علاجًا بعد، لكنها تكشف مسارًا جزيئيًا محددًا يمكن للعلماء دراسته مستقبلًا لفهم آثار صدمات الطفولة وتطوير وسائل للتدخل والوقاية.