كشفت دراسة حديثة أن استهداف ناقل الجلايسين SLC6A20 قد يساعد على استعادة وظيفة مستقبلات مهمة في الدماغ، وتحسين بعض السلوكيات المرتبطة باضطراب طيف التوحد في نماذج حيوانية.
ووجد الباحثون أن العلاج باستخدام جزيئات مضادة للجين تُعرف باسم ASO أدى إلى تحسين التفاعل والتواصل الاجتماعي وتقليل بعض السلوكيات المتكررة لدى فئران تحمل طفرات في جيني SHANK2 وSHANK3 المرتبطين باضطرابات النمو العصبي.
كما أظهرت التجارب على نماذج مصغرة من الدماغ البشري أن استهداف SLC6A20 يمكن أن يعيد نشاط مستقبلات NMDA إلى مستويات قريبة من الطبيعية، بينما استمرت بعض التأثيرات العلاجية لدى الفئران لمدة لا تقل عن ثمانية أسابيع بعد جرعة واحدة.
استهداف ناقل مختلف للجلايسين
وبحسب دراسة في مجلة Nature Communications في مايو 2026، ركزت على ناقل الجلايسين SLC6A20، الموجود بشكل أكبر في مناطق الدماغ المرتبطة بالإدراك، مثل القشرة الدماغية والحُصين.
ويحتاج مستقبل NMDA إلى الجلايسين و الغلوتامات حتى يعمل بصورة طبيعية، وتلعب هذه المستقبلات دورًا مهمًا في التواصل بين الخلايا العصبية، إضافة إلى التعلم والذاكرة والعديد من الوظائف المعرفية.
وكانت محاولات سابقة لزيادة نشاط مستقبلات NMDA تعتمد على استهداف ناقل آخر للجلايسين يُعرف باسم GlyT1، إلا أن انتشاره في مناطق مهمة من جذع الدماغ أثار مخاوف تتعلق بالآثار الجانبية.
لذلك، اتجه الباحثون إلى استهداف SLC6A20 باعتباره أكثر تركيزًا في المناطق المرتبطة بالوظائف المعرفية، في محاولة لاستعادة إشارات الدماغ بصورة أكثر دقة.
كيف عمل العلاج؟
استخدم الباحثون تقنية تعتمد على الأوليغونوكليوتيدات المضادة للجين (ASO) لتقليل إنتاج بروتين SLC6A20.
واختبر الفريق العلاج على فئران تحمل طفرات في جيني SHANK2 وSHANK3، وهما من الجينات المرتبطة باضطراب طيف التوحد وبعض اضطرابات النمو العصبي، ومنها متلازمة فيلان-ماكديرميد.
وأظهرت النتائج أن خفض نشاط SLC6A20 ساعد على استعادة وظيفة مستقبلات NMDA، كما أدى إلى تحسن عدد من السلوكيات المرتبطة بالنماذج الحيوانية للتوحد.
تحسن في التفاعل والسلوكيات المتكررة
لم يقتصر تأثير العلاج على النشاط العصبي، بل ظهرت أيضًا تغيرات سلوكية لدى الفئران.
فقد ساعد العلاج على تحسين التفاعل الاجتماعي وتقليل بعض السلوكيات المتكررة، كما أظهرت النماذج تحسنًا في بعض الاضطرابات السلوكية المرتبطة بالطفرات المستخدمة في الدراسة.
واللافت أن بعض هذه التأثيرات ظهرت لدى فئران بالغة، ما يشير إلى أن بعض اضطرابات الإشارات العصبية المرتبطة بهذه النماذج قد تظل قابلة للتعديل حتى بعد مراحل مبكرة من نمو الدماغ.
العلاج أعاد تنظيم الإشارات وليس كمية البروتينات
حاول الباحثون فهم الطريقة التي يعمل بها العلاج بشكل أكثر دقة.
وأظهرت تحليلات واسعة للبروتينات الفوسفورية أن العلاج لم يعمل ببساطة من خلال زيادة أو خفض كمية البروتينات في الدماغ، وإنما ساعد على تصحيح أنماط الفسفرة غير الطبيعية في بروتينات مرتبطة بالتواصل بين الخلايا العصبية ووظيفة مستقبلات NMDA.
وهذا يشير إلى أن العلاج قد يعمل على إعادة تنظيم مسارات الإشارات العصبية المضطربة بدلًا من تغيير مستويات البروتينات بشكل عشوائي.
نتائج واعدة في نماذج مصغرة للدماغ البشري
ولمعرفة ما إذا كان هذا النهج قد يكون قابلًا للتطبيق مستقبلًا لدى البشر، استخدم الباحثون عضيات قشرية بشرية، وهي نماذج مصغرة للأنسجة الدماغية تُستخدم لدراسة بعض العمليات العصبية.
وباستخدام تقنية CRISPR، أنشأ الباحثون نماذج تحمل طفرات في جيني SHANK2 وSHANK3، وأظهرت هذه النماذج انخفاضًا في نشاط مستقبلات NMDA.
وعند استخدام ASO يستهدف جين SLC6A20 البشري، استعادت مستقبلات NMDA نشاطها إلى مستويات قريبة من الطبيعية، وهي نتيجة مشابهة لما ظهر في نماذج الفئران.
تأثير يستمر لأسابيع بعد جرعة واحدة
من أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن جرعة واحدة من العلاج ظلت قادرة على تثبيط نشاط الجين المستهدف لمدة ثمانية أسابيع على الأقل في الفئران.
كما استمر تحسن التفاعل الاجتماعي لدى بعض النماذج خلال هذه الفترة، ولم يرصد الباحثون آثارًا ضارة واضحة مرتبطة بالعلاج خلال فترة المتابعة.
هل يمكن أن يصبح علاجاً للتوحد؟
رغم النتائج الواعدة، فإن العلاج لا يزال في مرحلة البحث قبل السريري، ولم تثبت فعاليته أو سلامته كعلاج للتوحد لدى البشر.
وتشير الدراسة إلى أن استهداف SLC6A20 قد يمثل مسارًا جديدًا لتطوير علاجات تستهدف اضطرابات وظيفة مستقبلات NMDA، وليس بالضرورة علاجًا شاملًا لجميع أشكال اضطراب طيف التوحد، الذي يتسم بتنوع كبير في أسبابه وخصائصه.
ويرى الباحثون أن النتائج قد تفتح الباب أمام دراسة هذا النهج في اضطرابات أخرى ترتبط بانخفاض نشاط مستقبلات NMDA، مثل بعض حالات الفصام والإعاقة الذهنية.