لطالما ارتبط حمض الفوليك أو فيتامين ب9 بالحمل الصحي، إذ ينصح بتناوله للمساعدة في تقليل خطر عيوب الأنبوب العصبي وهي عيوب خلقية خطيرة تحدث عندما لا ينغلق التركيب الجنيني الذي يتطور لاحقاً إلى الدماغ والحبل الشوكي بصورة صحيحة.
وعلى مدار عقود، عرف العلماء أن حمض الفوليك يساعد على الوقاية من هذه العيوب لكن الآلية الدقيقة التي يعمل من خلالها ظلت غير واضحة بشكل كامل والآن تكشف دراسة جديدة عن مسار بيولوجي قد يفسر جانباً مهماً من طريقة عمل هذا الفيتامين، وذلك حسب ما ذكره موقع Medical Xpress.
حمض الفوليك يحمي الحبل الشوكي
كشفت الدراسة المنشورة في دورية "Proceedings of the National Academy of Sciences" أن حمض الفوليك يعتمد على إنزيم يعرف باسم ALDH1L1 والذي يساهم في إنتاج حمض الريتينويك وهو جزيء مشتق من فيتامين أ يؤدي دوراً مهماً في تنظيم نمو الخلايا وتطورها.
ويعمل حمض الريتينويك كإشارة توجه الخلايا النامية فتحدد لها متى تنمو ونوع الخلايا التي ستتحول إليها ومتى تتوقف عن الانقسام.
في المراحل المبكرة جداً من نمو الجنين تبدأ مجموعة من الخلايا تعرف باسم الصفيحة العصبية في الانثناء إلى الداخل قبل أن تلتقي حوافها وتغلق لتكوين الأنبوب العصبي الذي يتطور لاحقاً إلى الدماغ والحبل الشوكي.
وأي خلل في عملية الإغلاق هذه يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بعيوب الأنبوب العصبي.
لاختبار الدور الذي يلعبه إنزيم ALDH1L1 أجرى الباحثون تجارب على أجنة الضفادع وهي من النماذج المستخدمة في دراسة التطور الجنيني المبكر.
وعندما عالج الباحثون الأجنة التي تعاني من مشكلات في إغلاق الأنبوب العصبي بحمض الفوليك تحسن نمو عدد كبير منها.
لكن عندما عطلوا جين ALDH1L1، فقد حمض الفوليك تأثيره الوقائي، ما يشير إلى أن هذا الإنزيم قد يكون جزءاً أساسياً من المسار الذي يعتمد عليه حمض الفوليك للمساعدة في نمو الأنبوب العصبي بصورة طبيعية.
وجد الباحثون أيضًا أن إنزيم ALDH1L1 يستطيع تحويل مركب مشتق من فيتامين أ إلى حمض الريتينويك.
وفي التجارب، ساعدت كميات صغيرة من الريتينول أحد أشكال فيتامين أ على تعزيز تأثير جرعات منخفضة من حمض الفوليك.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن الحوامل يجب أن يتناولن مكملات إضافية من فيتامين أ؛ إذ إن الحصول على كميات زائدة منه قد يؤدي إلى تشوهات خلقية خطيرة.
ويبدو أن الجسم يحتاج إلى الحفاظ على مستويات حمض الريتينويك ضمن نطاق دقيق للغاية لضمان النمو الطبيعي.
قد تساعد النتائج الجديدة في تفسير سبب قدرة حمض الفوليك على تقليل خطر العديد من عيوب الأنبوب العصبي مع عدم قدرته على منع جميع الحالات.
تقليل خطر عيوب الأنبوب العصبي
ويشير الباحثون إلى أن وجود مشكلات في مسار ALDH1L1–حمض الريتينويك قد يكون أحد العوامل المحتملة التي تفسر بعض الحالات التي لا يستجيب فيها الأنبوب العصبي بشكل كامل لتأثير حمض الفوليك.
تقدم الدراسة تفسير محتمل لآلية ظل العلماء يبحثون عنها لعقود، إذ تشير إلى أن حمض الفوليك قد لا يعمل بمفرده وإنما يساعد الجنين عبر مسار ALDH1L1 على إنتاج الكمية المناسبة من حمض الريتينويك في مرحلة زمنية شديدة الحساسية من التطور.
ومع ذلك ما تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لمعرفة ما إذا كانت هذه الآلية تعمل بالطريقة نفسها خلال الحمل البشري وما إذا كان هذا المسار يمكن أن يفسر بعض حالات عيوب الأنبوب العصبي التي لا يمنعها حمض الفوليك.