دراسة: الاكتئاب قد يغير قدرة الدماغ على إنتاج خلايا عصبية جديدة

لطالما ارتبط الاكتئاب بتغيرات في كيمياء الدماغ ووظائفه، لكن دراسة جديدة تقدم زاوية مختلفة؛ إذ تشير إلى أن اضطراب الاكتئاب الشديد قد يرتبط بتوقف تكوين خلايا عصبية جديدة في منطقة مهمة من الدماغ لدى البالغين.

ويرى الباحثون أن هذا التغير قد يؤثر في قدرة الدماغ على التعامل مع التجارب الجديدة وفصلها عن الذكريات السلبية السابقة.

ماذا يحدث داخل الدماغ؟

ركز الباحثون على الحُصين، وهي منطقة دماغية ترتبط بالذاكرة والتعلم ومعالجة المشاعر، وتُعد من المناطق التي يمكن أن يستمر فيها إنتاج خلايا عصبية جديدة خلال مرحلة البلوغ.

وأظهرت الدراسة التي نشرها موقع sciencedaily، أن عملية تكوين الخلايا العصبية كانت متوقفة في أدمغة البالغين المصابين باضطراب الاكتئاب الشديد، ما يشير إلى أن الاكتئاب قد يؤثر في قدرة الدماغ على إنتاج هذه الخلايا.

لماذا تهم الخلايا العصبية الجديدة؟

قد تساعد الخلايا العصبية الجديدة الحُصين على التعامل مع التجارب الجديدة بطريقة أكثر مرونة.

ويرتبط ذلك بعملية تُعرف باسم فصل الأنماط، وهي قدرة الدماغ على التمييز بين تجربة جديدة وذكريات سابقة مشابهة لها.

فعلى سبيل المثال، إذا تعامل معك شخص ببرود في موقف معين، يستطيع الدماغ السليم نسبيًا التعامل معه كتجربة منفصلة. لكن عندما تضعف هذه القدرة، قد تختلط التجربة الجديدة بذكريات سلبية سابقة، فتبدو وكأنها تأكيد لمخاوف أو مشاعر قديمة.

ويعتقد الباحثون أن الخلايا العصبية الجديدة قد تساعد في إبقاء هذه التجارب منفصلة، بدلًا من دمجها مع الذكريات السلبية السابقة.

الاكتئاب لا يؤثر في الخلايا العصبية وحدها

كشفت الدراسة أن التغيرات المرتبطة بالاكتئاب كانت أوسع من مجرد انخفاض تكوين الخلايا العصبية.

فقد رصد الباحثون تغيرات جزيئية في مناطق من دائرة الحُصين المرتبطة بالذاكرة والعاطفة، شملت جينات لها علاقة بـ:

تكوين الروابط بين الخلايا العصبية.

التواصل بين خلايا الدماغ.

إنتاج الطاقة داخل الخلايا.

نقل المواد داخل الخلايا.

الالتهاب والإجهاد الخلوي.

وهذا يشير إلى أن الاكتئاب قد يرتبط باضطرابات متعددة داخل دوائر الدماغ، وليس بتغير واحد في مادة كيميائية أو وظيفة محددة.

ما علاقة الجينات بالموضوع؟

وجد الباحثون أيضًا تغيرات في نشاط عدد من الجينات المرتبطة بالاكتئاب، إلى جانب تغيرات فوق جينية يمكن أن تتأثر بعوامل مثل الإجهاد وتجارب الحياة.

وتعمل هذه الآليات أشبه بمفاتيح تتحكم في مدى نشاط بعض الجينات، من دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه.

وقد تساعد هذه النتائج في تفسير سبب اختلاف الاكتئاب من شخص إلى آخر، ولماذا قد يستجيب بعض الأشخاص لعلاج معين بشكل أفضل من غيرهم.

كيف أُجريت الدراسة؟

حلل الباحثون ما يقارب نصف مليون خلية دماغية مأخوذة من أشخاص مصابين بالاكتئاب وأشخاص من المجموعة الضابطة بعد وفاتهم.

وباستخدام تقنيات متقدمة، تمكنوا من دراسة نشاط الجينات والتغيرات في البروتينات داخل الخلايا، وتحديد الخلايا والدوائر الدماغية الأكثر تأثرًا بالاكتئاب.

هل يمكن أن تقود النتائج إلى علاج جديد؟

يرى الباحثون أن فهم هذه التغيرات قد يفتح الباب أمام استهداف تكوين الخلايا العصبية في الحُصين مستقبلًا لدى بعض المصابين بالاكتئاب.

لكن هذه النتائج لا تعني حاليًا أن هناك علاجًا متاحًا يمكنه ببساطة "إعادة إنتاج الخلايا العصبية"، ولا تثبت أن توقف تكوين الخلايا العصبية هو السبب المباشر للاكتئاب.

ويأمل الباحثون مستقبلًا في إمكانية تصنيف الاكتئاب وفق خصائصه البيولوجية والجزيئية، بدلًا من التعامل معه كاضطراب واحد لدى جميع المرضى، بما قد يساعد على تطوير علاجات أكثر دقة.

الاكتئاب قد لا يغيّر المشاعر فقط بل قد يؤثر أيضا في الطريقة التي يتكيف بها الدماغ مع التجارب الجديدة.

وتكشف هذه الدراسة عن مسار بيولوجي جديد قد يساعد العلماء على فهم الاكتئاب بصورة أعمق، ويفتح الباب أمام علاجات تستهدف التغيرات الموجودة داخل دوائر الدماغ نفسها.